مقال 2026/09/18 مشاهدة

العلامة صديق احمد الخطيب الأعظم في بنغلاديش

بقلم: محمد هارون العزيزي الندوي
أستاذ الحديث بالجامعة الإسلامية عزيز العلوم بابونغر

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد، فأولًا: أشكر الله سبحانه وتعالى على أن وفقني لأن أسود بعض الأوراق في سلسلة الكلام عن حياة الداعية الألمعي الكبير، والخطيب الأعظم الشهير، العلامة البحاثة الخبير، وعبقري من عباقرة الإسلام، وعظيم من عظماء العلم والدعوة والإصلاح في بلد بنغلاديش، وعلم من أعلام التعليم والتربية، ورائد السياسة الإسلامية، الخطيب الأعظم الشيخ صديق أحمد، رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وأسكنه بحبوحة جنانه.

ولقد سرني وأفرحني كثيرًا ما تقدم إليه إدارة لجنة نشر المذكرة من اتخاذ موقف محمود لنشر "المذكرة الشاملة" التي تتحدث عن حياة العلامة الفقيد، فوالله إن هذا لموقف محمود يستحق الشكر والتقدير. فأنا أشكر القائمين على هذا العمل النافع للأمة، وأدعو لهم بالتوفيق المزيد من الله سبحانه وتعالى.

ثم إنه وصلتني رسالة من البروفيسور الدكتور أ ف م خالد حسين، المستشار الديني السابق للحكومة الانتقالية لجمهورية بنغلاديش الشعبية، حفظه الله ورعاه، طلب فيها أن أكتب بعض الانطباعات عن حياته الحافلة بالخدمات والتضحيات في أوساط العلم والدين والدعوة والإصلاح، فأردت أن أساهم بما سنح لي فكري وخطر ببالي في هذا العمل الكبير، فعملت فكري وجمعت شتات ذكرياتي، وهي كما يلي:

كان الخطيب الأعظم العلامة صديق أحمد، رحمه الله، من أكبر علماء عصره، وأصقع خطباء دهره، وأعظم القادة السياسيين الإسلاميين في مصره، بل أعجوبة من عجائب الدنيا في قوة كلامه، وسلاسة بيانه، واستحضار علومه ومعارفه، حتى أصبح مشهورًا فيما بين أقرانه وأهل زمانه، في قوة حافظته، وفرط ذكائه، وفصاحة لسانه، وبلاغة كلامه، وغير ذلك من المواهب والصلاحيات المتعددة الأبعاد، بل فاق أقرانه فيها بشكل شبه إجماعي فيما بين علماء عصره.

لقد استطاع - بفضل الله – أن يجمع بين الذكاء الفطري والمواهب الإبداعية، وبين قوة الحجة ورجاحة العقل ودقة الحكم، ولأجل ذلك أصبح في الناس معروفًا كشخصية غير عادية لا مثيل لها. إن تاريخ حياته الحافل وتضحياته تمثل دورًا بارزًا فاخرًا فريدًا لفخرنا ومجدنا الوطني. ولا تزال الأمة تذكر مساهماته البارزة في بناء سيادة الأمة وازدهارها وتطورها وتقدمها، شاكرة بكل تقدير وإجلال واحترام.

لقد فاز بالقدح المعلى في مضمار السبق في مجالات العلم والعمل، بعد أن قدم مثالًا حقيقيًا رائعًا للعلم والعمل، حتى احتل منزلة مرموقة ومكانة سامية فيما بين الشخصيات الوطنية البارزين. وما قدمه من خدمات من خلال ممارسته الدائمة للعلم والمعرفة، وسعيه الحثيث وعمله الدؤوب، وإجالته للفكر والنظر حول قضايا بنغلاديش يشبه ذروة الجبل وقمته.

ولد الخطيب الأعظم سنة 1903م في بيت مليء بالشرف والعلم نسبًا وسلوكًا، ولا بد من تأثير الأسرة والبيئة والجو على شخصية الرجل، فأسرة العلامة صديق أحمد الدينية هي التي أثرت بادئ ذي بدء على تكوين شخصيته، من حيث العلم والمعرفة والخلق الحسن، حيث إن والديه كانا من الصالحين والصالحات، وتربيتهما الدينية لابنهما منذ صباه جعلت منه عالمًا فاضلًا متبحرًا، وخطيبًا بارعًا يفتخر به عصره ومصره، ويعتز به أهله وبلده، ويتشرف به وطنه وقومه.

كان العلامة صديق أحمد في حياته الشخصية سهلًا يسيرًا متواضعًا ساذجًا غير متكبر ولا متجبر، والبساطة والتواضع والسذاجة زادت شخصيته جمالًا وحسنًا، ومع كونه عالمًا كبيرًا ومحدثًا شهيرًا وخطيبًا بارعًا لم يكن يستكبر أحدًا، ولم يستطع الحسد والحقد والإنتقام تدنس حياته العفيفة. وحينما كان يتكلم يكون كلامه سهلًا، متواضعًا مهذبًا ومرتبًا لا مثيل له. ومن خصائص أخلاقه أنه كان يعامل الضيوف والزوار الأجانب معاملة طيبة.

إن الكمالية التي حصلت له بعد تلقي التربية الروحية من حكيم الأمة العلامة أشرف على التهانوي والشيخ المفتي فيض الله، لم تنقص حتى آخر حياته. لم يكن طامعًا في متاع الدنيا القليل وخطامها الرخيص من المنزل والسيارة والتجارة وغيرها.

كان العلامة صديق أحمد من أبرز علماء البنغال في القرن العشرين، أعطاه الله قوة الذكاء النادرة، وكان ذا أوصاف حميدة ومواهب ذات ألوان شتى ما لا يجتمع في شخص واحد عادةً إلا في النادر، قد عرفه الناس كالخطيب الأعظم في شبه القارة الهندية. كان يفكر دائمًا لتطوير المسلمين المتخلفين في بنغلاديش عقليًا ودينيًا، وكان يبذل قصارى جهوده في قمع البدع والخرافات والتقاليد الجاهلية وإحياء للتراث الإسلامي السديد، إن حياته وأفكاره لمثال رائع لداعية مخلص إلى الله تعالى، وقد ترك آثارًا لامعة في حقل الدعوة والتعليم والسياسة.

أمضى أربعًا وعشرين سنة من حياته كمدرس للحديث في الجامعة الأهلية معين الإسلام بهاتهزاري، شيتاغونغ، كما قضى سبعًا وعشرين سنة في الجامعة الإسلامية فتية، شيتاغونغ، حيث قام بالتدريس في هذه الفترة من أمهات الكتب الستة: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داؤد، وسنن الترمذي. ودرس عليه في كل سنة واستفاد من علومه الجم الغفير من الطلاب. وكان الشيخ محدثًا، مفسرًا، مفتيًا، ومناظرًا، وخطيبًا شهيرًا، وحصلت له في كل هذه المجالات سمعة لا نظير لها. وكان نجمًا لامعًا ساطعًا مضيئًا متوهجًا من بين نجوم العلم في زمانه. كان من أشهر الدعاة وأحد كبار المعارضين للنظام العلماني في الدولة.

كان العلامة صديق أحمد رحـ نظير نفسه في بث الوعي الإسلامي وقلع جراثيم الشرك والضلال من المجتمع، متمثلًا بقول الله تعالى: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن" (سورة النحل: 125).

لقد ترك الخطيب الأعظم، رحمه الله تعالى، أثرًا عجيبًا مدهشًا في الفنون والعلوم الإسلامية من الحديث، والتفسير، والفقه، والمنطق، واللغة العربية، والأردية، والبنغالية، والحكمة، والبلاغة، والفرائض، والمناظرة، والوعظ والإرشاد، وغير ذلك. كان لديه موهبة لا مثيل لها في عرض الموضوع المعقد بأسلوب شيق ممتع، وبلغة سهلة يسيرة جدًا. وكان يتبع منهج نفسه الخاص في إلقاء الخطاب الديني، حيث بلغت شخصيته إلى منتهى السمعة وغاية الشهرة في أوساط العلم والمعرفة والدعوة والخطابة والسياسة الإسلامية.

وكان العلامة صديق أحمد نشطًا وذا حماس شديد وأهمية كبيرة في آن واحد، في عديد من الأمور مثل مسند تدريس الحديث النبوي الشريف، ومنصات المناظرة والبحث للدفاع عن المنهج الصحيح ضد الخرافات والفسادات العقائدية الرائجة في ربوع البلد، والساحة السياسية المعقدة، والأنشطة البرلمانية، وحركة إقامة الدين على مستوى البلد سواء بسواء.

لقد استطاع أن يوقظ القلوب الغافلة بخطابه الجذاب الأخاذ بمجامع القلوب في مسلمي هذا البلد، فزاد في صحوتهم الإيمانية المفقودة، والوعي الديني المنشود، وكشف أمامهم الستار عن وجوه بعض الجوانب المسمومة للفلسفة الحديثة والفكرة الغربية الجديدة، وعن مغريات العصر الحديث، كما استطاع إثبات خيرية الفلسفة الإسلامية والطريقة المحمدية وأفضليتها لحياة الإنسان، مقابل تلك، بكل جدارة وصلاحية.

وهذا المصلح الكبير قد زرع بذور الجهاد في سبيل نشر الدين الحق، وتعميم التعليم والصحوة الوطنية طوال حياته، لقد اتضح جليًا جمال الإسلام وحسنه في خطابه الأخاذ بمجامع القلوب، وفصاحته ومهارته التامة في إلقاء الخطاب، وشرحه الدقيق في الوعظ والإرشاد جعلت الناس يخضعون للحق. وكان يجعل السامعين بسحر كلامه كأنهم مسحورون. لقد حصل على علوم القرآن الكريم ثم وزعه فيما بين الناس طوال حياته، وشجع الناس وحثهم على التحلي باليقظة الخلقية والروحية، ولا ينسى الشعب البنغالي خدماته في هذا الجانب أبد الدهر.

ومن المميزات البارزة لمحاضراته وخطبه إقناع الناس وإرضاؤهم بحقية الإسلام وخلوده بأسهل وأروع أسلوب، ويجيد في بيان الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة من الكتاب والسنة، حيث كانت كلماته تتضمن حقائق علمية ونكات دقيقة منطقية، تخرس المخالفين وتعجزهم عندما كانوا يقابلونه في حفلات الجدال والمناظرة، فيلمس المستمعون في خطباته آراءه القيمة وأفكاره النفيسة وتوجيهاته السديدة التي تنم عن عمق علومه وسعة تجاربه.

فكان العلامة – رحمه الله – يعتني خلال كلماته الجريئة المجاهدة اعتناء بالغًا بتوحيد الله سبحانه وتعالى، وحب الرسول صلى الله عليه وسلم، واتباع سنته، وعقيدة ختم النبوة، ورد القاديانيين والقبوريين والمبتدعين وغيرهم من الفئات الضالة، ومقاومة العلمانية والشيوعية والاشتراكية والاستشراق وغيرها من الحركات الفكرية الهدامة المعاصرة، وإصلاح الطقوس والتقاليد الفاسدة السائدة في المجتمع على منوال السلف الصالح، وإقامة الخلافة الإسلامية على منهاج النبوة.

لقد قام بالرد على القاديانية وفكرة الدكتور فضل الرحمن وقانون الأحوال الشخصية النافذة سنة 1962م في ربوع البلد من خلال مواعظه وخطاباته الجذابة الأخاذة، وبقوة حجته على مخالفيه، حتى أظهر أمام الناس بطلان هذه الأفكار الزائغة.

وكان العلامة صديق أحمد، رحمه الله، يرى أنه كما أن الطفيلية إذا وجدت الفرصة متاحة لزمن طويل تستنزف أصل الشجرة وتأتي عليها، كذلك الشرك والبدع والخرافات إذا وجدت بطريق مرة إلى المجتمع المسلم واستطاعت نشر جذورها أتت على هيكل الدين الأصلي وضيعت صورته الأساسية، ولذا يجب قطع جذور الشرك والبدع مثل الطفيلية في أقرب وقت ممكن.

لقد ناظر الشيخ العلامة مع عديد من علماء أهل البدع علنًا، وساهم مساهمة فعالة في إثبات التوحيد الخالص النقي وفضيلة سنة الرسول صلى الله عليه وسلم. ولم يهتد بيده الشبان المثقفون بالثقافة العصرية الضالون فقط، بل إن علماء البلد أيضًا استطاعوا بمواعظه وخطاباته أن يستعيدوا ثقتهم بالنفس من جديد، حيث كان الشيخ وقتذاك مشهورًا فيما بين الناس بكونه مفكرًا وخطيبًا بارعًا ومناظرًا لا مثيل له في الرد على البدعيات والشركيات والخرافات.

لم يكن الخطيب الأعظم خادمًا مخلصًا للتعليم الإسلامي ومناضلًا للخرافات والتقاليد الجاهلية فحسب، بل كان معه مجاهدًا ومدافعًا عن الدين بالعقل والنقل ضد كل التحديات التي نشأت من الجاهلية الحديثة والحضارة الجديدة.

تأثر كثيرًا بأفكار ونظريات شيخ الإسلام العلامة حسين أحمد المدني السياسية حينما كان طالبًا، في بداية حياته التعليمية حتى أصبح عضوًا من أعضاء جمعية علماء الهند. وساهم مساهمة فعالة في حركة تحرير شبه القارة الهندية من براثن القوى الإمبريالية البريطانية والاستعمار الأجنبي، وبعد تقسيم الهند شارك في حركة إرساء الديمقراطية العادلة وتثبيت الحكم الإسلامي في عهد باكستان وبنغلاديش.

وبعد تأسيس باكستان التحق بجمعية علماء الإسلام بقيادة العلامة شبير أحمد العثماني بإشارة من الشيخ أطهر علي، رحمه الله. ثم انتخب رئيسًا للجمعية المركزية. وبعد استقلال بنغلاديش عن باكستان قام بإنشاء "حزب النظام الإسلامي" وكان رئيسًا لهذا الحزب مدى الحياة.

لقد أنشأ ثورة شعبية واسعة النطاق داخل البرلمان وخارجه لغرض إرساء الحكم الإسلامي وتعزيز الديمقراطية العادلة. وانتخب عضوًا في البرلمان من قبل "حزب النظام الإسلامي". وكان خادمًا مخلصًا للشعب والوطن، فلم يستغل أبدًا فرصته ومكانته السياسية ومنزلته السامية في هذا الميدان لكسب حطام الدنيا والثروة، ولا لحب الأقارب، بل كان الشيخ يعتبر ممارسة السياسة لغرض إقامة حكم الله في أرضه عبادة، ويعتبر النضال لأجل الحرية والحق والعدالة واجب الحياة ومسئوليتها.

لقد مارس السياسة مع القادة السياسيين المشهورين، ومع ذلك لم يستفد من الحكومة أي استفادة فيما يتعلق بالمصالح الشخصية. وما استغل عضويته للبرلمان القومي وزعامته الوطنية وحصوله على الاعتراف الدولي للحصول على قطعة أرض أو شقة في عاصمة داكا شأن الآخرين في عصره، بل كان يعتبر استغلال السياسة لأجل المصالح ذنبًا.

لقد قدم الرئيس الشهيد ضياء الرحمن اقتراحًا إلى الشيخ طالب فيه أن ينضم إلى مجلس وزرائه، ولكن الشيخ رفض هذا الاقتراح ولم يقبله. كان الهدف الرئيسي من وراء ممارسته السياسة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمسلمين البنغاليين المتخلفين، ولم يركع رأسه في سبيل تحقيق الهدف المنشود أمام أي من الظلم والخوف والطمع، ولم يكن متورطًا قط في شر سياسة القوة والجبر والهيمنة، بل كانت الأولوية لديه في سياسته لمصالح المسلمين فقط.

إن الذي قدمه هذا العالم الألمعي من خدمات لإثبات أفضلية الإسلام ونشر العلم الديني وحركة إقامة الدولة الإسلامية الرقية، ودفع دلائل الفكرة الغربية وثقافتها وحضارتها سوف يبقى مصدر إلهام للعاملين في المستقبل في تاريخ الحركة الإسلامية في هذا البلد.

لقد حاول هذا العالم الذكي وهذا المفكر الإسلامي الكبير أن يغير نمط حياة المثقفين بالثقافة العصرية وأفكارهم واتجاهاتهم طوال حياته بكفاءة عالية لا مثيل لها. لم يستطع التكلم في السنوات الثلاث الأخيرة لأجل إصابته بمرض الشلل.

وتوفي في 19 مايو سنة 1989 الموافق 20 رمضان المبارك سنة 1407هـ عن عمر ناهز 85 عامًا، ودفن في ساحة مدرسة فيض العلوم بريتلي التي أنشأها بنفسه، وكان عمره حين وفاته 85 سنة. رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه الفردوس الأعلى من جنات النعيم.

التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!