فلسفة الائتلاف في زمن الاختلاف
إن من أشد ما تبتلى به الأمم في عصور انحطاطها الغابرة، وتفجع به المجتمعات في أزمنة تراجعها القاحلة، أن يطغى على عقول أبنائها داء التعصب الأعمى، والتحزب المقيت، واللجاجة المذمومة في الخصومة المهلكة، حتى يستحيل الاختلاف -الذي جعله الله في طبائع البشر رحمة واسعة، وسعة شاملة، وميدانا فسيحا رحبا لتلاقح الأفكار النيرة واستنباط الحقائق الخالدة- إلى ساحة مقيتة موحشة، وميدان ضيق خانق للتناحر والتباغض، تسل فيه سيوف الألسنة الحادة بغير حق، وتهتك فيه أستار المودة الصافية بغير روية، غافلين عن أن الحق أوسع وأرحب من أن يحتكره عقل قاصر واحد، وأن الحقيقة أعظم وأجل من أن تحيط بها نظرة سطحية ضيقة لا تتجاوز مواطئ الأقدام.
ولعل أبلغ ما يضرب في هذا المقام الدقيق من أمثال الأولين السابقين، وحكايات الغابرين الحكماء، ما يحكى أن مسافرين ضربا في الأرض بحثا عن الحقيقة الغائبة حتى بلغا جبلا عظيما شامخا أشم، يفصل بين نجد وغور، فوقف أحدهما في سفحه الشرقي الزاهي البديع، حيث تشرق الشمس الوضاءة المسفرة، وتتفتح الأزهار اليانعة العاطرة، وتنساب الجداول الرقراقة الصافية، ووقف الآخر في سفحه الغربي المكفهر القاتم، حيث تشتد الرياح العاتية العاصفة، وتتلبد الغيوم السوداء المتراكمة، وتتوعر المسالك الشاقة الموحشة. فلما التقيا في الوادي، طفق الأول يصف الجبل بأنه روضة غناء بهيجة تسر الناظرين وتبهج الأرواح، وانبرى الثاني يكذبه ويسفه رأيه مقسما بأنه قفر يباب، ومهلكة قاحلة موحشة، واشتد بينهما المراء العقيم حتى كادا يقتتلان. فمر بهما حكيم بصير خبير، قد حنكته التجارب المريرة القاسية، وعركته الأيام الخوالي العاصفة، فلما علم خطبهما تبسم ضاحكا وقال: "رويدكما أيها الغافلان، فوالله إن كلاكما لصادق فيما رأى، ومخطئ فيما نفى، فقد أبصر كل منكما وجها واحدا من الحقيقة الواسعة وعمي عن الوجه الآخر، ولو أنكما تبادلتما المواقع لتبادلتما الرأي، ولكنكما استعجلتما فجعلتما من النقص كمالا ومن الجزء كلا، فضاع بينكما الود الخالص وتوارت الحقيقة الساطعة خلف حجب العناد المظلمة!"
وهكذا هو حالنا المؤلم المفجع اليوم في ساحات العلم وميادين الفكر، نقف أمام قضايا الشريعة الغراء ومسائل الحياة المعقدة كما وقف المسافران أمام الجبل العظيم، فيبصر كل حبر من أحبارنا الأعلام، وكل مفكر من مفكرينا النبهاء، وجها من وجوه المسألة يتجلى له بحسب زاويته التي يقف فيها، ومبلغه من العلم، وطبيعته التي فطر عليها. فإذا استبد به الغرور القاتل، وظن أنه أحاط بكل شيء علما، رمى مخالفه بالجهل المطبق والضلال المبين، ونسي أن أخاه قد رأى ما لم يره، ووقف على ثغر لم يبلغه. ولو أنهم بسطوا رداء العذر الواسع الفضفاض، وأحسنوا الظن، ونظروا إلى الخلاف نظرة التكامل الشاملة لا نظرة التضاد الضيقة، لاجتمعت لهم شتات الحقيقة الضائعة، ولأضاءت بصائرهم بنور اليقين الساطع، ولأدركوا أن سلفنا الصالح الأبرار لم يكونوا يختلفون ليتقاطعوا بل ليتكاملوا، فهذا يقول برأيه وذاك يفتي بغيره، وتبقى القلوب المؤمنة على صفائها، والنفوس الزكية على نقائها، كأنهم أغصان شجرة واحدة باسقة وارفة، تختلف أشكالها وتتجه في كل صوب، ولكنها تستقي من جذر إسلامي واحد وتستظل بسماء ربانية واحدة.
فوا أسفاه على عقول نيرة ذكية أضاعت حلمها الوقور الرزين في غمرة الغضب الطائش، ويا حسرتاه على محابر صافية نقية جف ماء حيائها الرطب في ساحات الجدل العقيم! فما أحوجنا اليوم إلى أن نستلهم من أخلاق الماضين الكرام أدبا جما نكبح به جماح رعونتنا، ونلجم به شطط أقلامنا، ليبقى الاختلاف بيننا ومضة فكر مشعة منيرة تنير الدرب، لا شرارة نار مهلكة حارقة تحرق الهشيم.