نعم فالمعالي ما تبين الفضائل

نعم فالمعالي ما تبينُ الفضائل
ونيل أمان ما حوتهُ الأوائل
محامدُ لم تبرح تسير بذكرها
أولو الفضل حتى لن تُعدّ الفواضل
عرفنا بها العليا فنلنا مكانةَ
تقاصرَ عنه النيراتُ الكواملُ
ولم ندرِ ما نهج المكارم قبلَها
ولا كيف تبدو في القضاء الفواضلُ
وعاذلةٍ عنها أبيتُ بمعزل
وفي القلب منها سودةُ وغوائِلُ
تقول ابيتَ اللعنَ هل أنت سامع
مقالةَ من قد جربتهُ النوازلُ
إلى كم تعاني حادثاً غِبّ حادث
وكم ذا تغشاكَ الصعابُ الجلائلُ
أما برهةٌ فيها لحالِكَ راحة
وقد لاحَ من صبح المشيبِ دلائلُ
وقد ناهَز العشرينَ سنُّكَ بعدها
ثمانيةٌ هل أنتَ يا عاق عاقل
فقلت لها قول المعري منبّها
الا في سبيل المجد ما أنا فاعلُ
دعيني وجدى لا أبالِكَ إنَّني
ولا ذنب غير الفخرَ لستُ أحاولُ
ألم تعلمي صفحي وحسنَ تكرمي
إذا ما جفا خلٌ واطنبَ عاذلُ
سل القيم عنّي إن جهلت شمائِلي
فقد يدرك المأمولُ من هو سائلُ
أمثلي تعفى في الدياجي جفونَهُ
وقد ارقتهنَّ القوافي القوافلُ
ولى من صنوفِ المكرماتِ أجلها
ومن داعياتِ الخيرِ طلٌ ووابلُ
وكم ليلِ دجنٍ سرتُه فوق ضامر
أخوضُ المنايا والنجومُ أوافل
يصاحبني فيه وشيجٌ مثقفُ
وعضب جزاز اتقنته الصياقلُ
وكم ليلةٍ ليلا امطتُ بها الكرى
وطرُف السها ساه وطرفي جافل
تحجبَ فيها الفجر حتى كأنه
سريرةُ صب اضفرتها الغلائِلُ
أجبتُ بها الداعي وما كُنت واجعا
ولا مؤنس إلا الجيادُ الصواهلُ
أعرت السها طرفي فبات مسهّدا
وقد لج في بحر الدجى فهو جائلُ
تجوب الفيافي المقفرات قلائصي
وللغول فيها وحشة وزواجل
سأضرب وجه البيد أبغى بها العلا
إلى أن يؤول الآل والآل آيل
وأطوي بأخفافِ الركائبِ مهمهاً
تدمدمُ فيه الجن والهولُ هائلُ
وأبصرُ غيلانَ المنايا تنوشني
وليلُ شبابي منه قد شابَ كاهلُ
بوصلِ المعالي كم قطعتُ سباسباً
فأنعِم بقطعٍ للعلا هو واصلُ
فما نهنهتني في المُلِمّ حوادث
ولا أقعدتني عن مرادي جحافلُ
فمن لم يكن ذاهمةٍ دونها العلى
فسوف يرى من دهره ما يعاطلُ
مشوقٌ إلى العليا أسوقُ بضاعتي
بسوق عكاظِ الفضلِ هل من يعاملُ
أخوضُ عبابَ البحرِ أطلب درّهُ
فللّهِ درّي كم نفيسٍ أحاولُ
وإني وحق المجدِ للعز ذروةٌ
وللجودِ جودٌ فهو هام وهاملُ
وإني سديدُ الراي بالعلم عاملٌ
وإني شديدُ الحزمِ بالبأسِ باسلُ
ولست الذي في منزلِ الذلِّ نازل
ولست الذي في عزةِ الجاهِ جاهل
ولم أك عرضي للئام أذيَّهُ
ولو لعبت بي المرهقاتُ الفواصلُ
ومذ غبتُ عن غابي وإني سميدَعٌ
وقامت تراعيني النوا والنوازلُ
وماج العدا يدعون بالبشر بعضهُم
كأن الليالي السودَ عنهم غوافلُ
فمن كاشحِ يرنو بمقلةِ غادر
يريشِ سهام البغي وهي نواصلُ
ومت شامتٍ يبدي افترارَ تعجُّب
لقد أرقصتهُ ترهاتٌ وباطلُ
وفيَّ بأنواعِ الزايا تراجمت
ظنونٌ وزادت لوعةٌ وبلابلُ
وبت أعاني صبرَ بعضِ عواذل
ولم يجدهم والصبر للمرء قاتل
وقد نال منّي حظّهُ كلُّ أخرق
وما نفعتُ منّي إليه الوسائلُ
إلى أن أتيتُ البابَ في خيرِ دولة
لها الفصلُ دابٌ والخطابُ شمائِلُ
تمد على الآفاقِ فسطاطَ رحمةٍ
جميع الورى في ظل ذلك قائلُ
وجئتُ إلى دار الخلافةِ كي بها
أجالسُ أربابَ العلا وأساجلُ
أروم من الرومِ الرميّةَ في العدا
بسهمِ الردى فيها الذبابُ قواتلُ
وصرت بحمد اللَه بدرا لأفقها
تروحُ وتغدو في سناهُ الرواحلُ
بحسن ثناءٍ طاب ذكراً ومفخرا
وحمدٍ به يومَ الفخارِ أطاولُ
ونلتُ الذي أرجوهُ واللَهِ عاجلاً
وكم لي بها من بعدِ ذلكَ آجلُ
وَرُدّ على الأعقابِ بالهون والأسى
أخو الؤمِ حتى استقبحتهُ الأراذلُ
طوته الرزايا في زوايا خمولهِ
وأصبح في رزء له اللَه خاذلُ
أيعلم ما في الغيبِ عمرٌ وشبههُ
وأقبحُ شيء جاهلٌ متعاقلُ
فلو كان يدري ضرَّ شيء ونفعه
لكان له شغلٌ عن الناسِ شاغلُ
ولكنه لم يعرف الفضل حيثُما
غباوتهُ جاءت بجهلٍ تصاولُ
فهل سمعت إذنٌ بأن خطيئةً
لعنترةِ وسطَ المجالِ يجاولُ
وهل للثرى عند الثريا مزية
وللسمهريّ هل للعراءِ نواصلُ
فما كلُّ من يرمي السهام بصائب
ولا كلُّ من يعلو الجوادَ ينازلُ
ولا كلُّ فجر للغياهب كاشفُ
ولا كلُّ ظلٍّ تحتهُ الركبُ قاتلُ
ولا كل بصاصٍ يسمى بجوهر
ولا عُدَّ كل العاديات صواهِلُ
فقل للّذي قد رام شأوي جهالةً
إليك بعيدٌ عنك ما أنت آملُ
أنّوه فيه لا أفوه بذكره
لأني أنا عال وذلك سافِلُ
أنا من بني الفاروق يا نعمِ عنترَةً
لخاطبهم شبلَ النفيلِ نوافِل
لهم نسبٌ عالٍ يطولُ نجارهُ
ويقصرُ عن أراكِه المتطاولُ
فيا حبذا الفرعُ الذي طابَ أصلُه
إلى السيدِ الأوّابِ ناهيكَ واصلُ
بجدهم نالوا ذرى كلِّ محتدٍ
ولا ردّهُم عنه القنا والقنابلُ
حووا بأبي حفصٍ منارا لو أنهُ
لشمسِ الضحى ما غيّرتها الأصائلُ
كفاهم به فخراً ومجداً وسؤددا
فليس له من بعدهِ من يماثِلُ
على قولهِ آبات صدقٍ تنزلت
مطابقةً سل عالماً هو عامِلُ
هم القومُ إن عدّ الكرامُ وحقّهُم
أشارت لهم بين الأنامِ الأنامِلُ
يذودونَ يوم الروعِ كلَّ كريهةٍ
ويعطونَ عند الضَنكِ والغيرُ باخِلُ
لهم في المعالي الشامخاتِ مراتب
وفي سدرةِ المجدِ الأثيلِ منازلُ
ومدّوا على الآفاقِ أطنابَ عزة
منير الدياجي دوننَها متصائِلُ
عزائم لولا حلمهُم ووقارهُم
لدكّ لها رضوى وذابَ مشاكلُ
لهم ثبتُ جأشٍ لا يجارى ثبوتهُ
إذا طاشَ قومُ واستفز الجلاجلُ
فلو علمت أسد الشرى سطواتهم
لما حملتها أرجلُ ومفاصِلُ
ولو جُسّمت آلاؤهم أو تُصوّرت
مواهبهم لم يبقَ في الخلقِ سائلُ
فما الجودُ إلا ما أفاضت يمينهم
وما المجدُ إلا ما حوته الشمائلُ
لهم نزر نظم كالدراري تناسقت
جواهرهُ واللطفُ فيه السلاسل
فإن لم تكن هذي المعالي بعينها
فما للمعالي في الوجودِ هياكلُ
أولئك آبائي فجئني بمثلهم
إذا عنَعَنتنا بالكيح القبائلُ
امستجدياً من غيرهم نيل نحلة
ومستنجداً قوماً سواهُم تناضل
إليكَ اتئد ما كل بيضاء شحمة
ولا كل سودا تمرةٌ أنت غافلُ
وقائلةِ ما لي أرى الدهر لم يزل
يحاولُ فيما تشتهي ويماطل
فقلت لها ذا دأبه مع أولى النهى
فأنقص حظاً يا سليمى الأفاضل
فلا طيفَ إلا بالأماني يرتجى
ولا وصلَ إلا بالتوهم واصلُ
لعمرك ما آلت بسبقٍ مجاهدي
ولا عنصري غشت عليه الخمائلُ
ولا نشأتي في رحبة المجدِ والعلى
كنسبةِ من عشّت ذراه الرذائلُ
ولكنما حالُ الزمانِ كما ترى
يقدّم من قد أخّرتهُ الأوائِلُ
فلو كانت الدنيا تساوي بعوضةً
لما اغتالَ أهلُ الفضلِ فيها الغوائلُ
ولو كان عقلاً للزمانِ برأسهِ
لما موضعُ التاجِ استقلّ الخلاخِلُ
فمن يرتجي من دهره بلّ غلةٍ
ومن لمع آلٍ هل تسيغُ المناهِل
ومن يرتجي قطر الندى من بد العلا
وهل يرتجى من خُلّب البرقِ وابلُ
أطيل عتابي للزمان جهالةً
وما تحتهُ واللَهِ طولٌ وطائِلُ
عليك العفا يا دهرُ لست مخاطبا
ولكن تفريجَ الكروبِ معاملُ