بروحي غريرا بالرصافة قلبه
لدى ظبية لمياء خلفه رهنا
وقالبه بالكرخ علم أهله
فنون جنون وهو في غيرهم جنا
له في الهوى العذري عذرا إذا لوى
لبان اللوى عطفا وحنَّ إلى المغنى
أتشجيه سعدي والرباب وأنه
يحاول أن يقضي اللبانة من لبنى
إذا ما انتظى من جفن عينيه مرهفا
رجوت فؤادي إن يكون له جفنا
فمقلته تلك المصيبة إنها
لأم الدواهي والدواهي لمن أضنى
ومن قدِّه واللحظ إن ماس أو رنا
يقاسي كقلبي قالبي الضرب والطعنا
يميت ويحيى هجره ووصاله
فلي قربه أبقى ولي بعده أفنى
يعيد ويبدي من طوته يد النوى
وأخنى عليه ما على لبد أخنى
تكلم عيناه القلوب بغمزها
وتتلو إلى السلوان إن عدتمو عدنا
تثنى فأودت بالقلوب طعانه
فما ضره لما تثنى لو استثنى
وهيهات عن قلبي تطيش سهامه
وقد صار منه قاب قوسين أو أدنى
يادرنا والغدر ملء جفونه
ويتركنا ما دام منفصلا عنا
نحورا بلا عقد كؤسا بلا طلى
جسوما بلا روح حروفا بلا معنى
نغيب به عنا إذا كان حاضرا
وإن غاب عنا مثل غيبته غبنا
ترينا نعيما بعد بؤس شؤنه
فمن سيرة خزنا ومن صورة حسنا
ومن قسوة لينا ومن سخط رضا
ومن كدر صفوا ومن بخل منا
تعلمت الحرباء منه تلونا
فتأخذ عنه كل آونة لونا
يروح ويغدو والقلوب بكفه
فآونة يسرى وآونة يمنى
هو المشتري الارواح في نقد وصله
فهل مدَّع في بيع مهجته الغبنا
قضيب إذا ما اهتز ظبي إذا رنا
سنان إذا ما لاح سم إذا رنا
بغير جناح طار عني وانه
لحرَّ وشأن الحر أن يألف الوكنا
علي تجنى قبل ما ناظري جنى
ورود خدود في يد الفكر لا تجنى
إذا قلت قلبي أين حلَّ أجابني
فهل لك من كمِّ به تعرف الأينا
ويبسم عن برق فأبكى بمدمع
إذا شمت ذاك البرق تحسب ذا مزنا
لقد زارني والليل زرَّ جيوبه
علينا ونام النجم عنا وما نمنا
وبت يعاطينا سلافة ريقه
فلله ما أحلى ولله ما أهنى
إلى أن رأينا الليل غطى ذراعه
ضياء نهار صبحه شمس الردنا
ومد يدا تجني من الزهر نرجسا
حكى من عيون العين مقلتها الوسنا
تباشيره لاحت فصاحت بلابل
وغنى هزار الدوح في الروضة الغنا
وسلَّ الدجا من غمده باترا حكى
تبسم عباس ومطلعه الاسنى
بديع معان ذو بيان بسحره
تفنن هاروت وما أتقن الفنا
لي الله من ذي منطق أعجز الورى
وألسنة الافصاح عنه غدت لكنا
لقد رق بشرا مثل ما راق منظرا
وقد دق معنى أن نشخصه معنا
حبيب إذا أنشا صريح إذا انتشى
بديع إذا وشى غريض إذا غنا
ومفتقر مغنى اللبيب للفظه
يعلم في اعرابه معبد اللحنا
ترعرع في حجر النجابة وانثنى
من المجد قبل المهد متخذا حضنا
بلاغته قبل البلوغ قد انتهت
إلى غاية سل عن بديته منا
تسامى على الاقران فهو أجلهم
وأكبرهم عقلا وأصغرهم سنا
وأكثرهم فضلا وأفرطهم ذكا
وأنقدهم فكرا وأشحذهم ذهنا
وأطلقهم وجها وأجملهم حلى
وألطفهم طبعا وأحسنهم حسنى
فأنى لهم إدراك شأواه في العلا
وقد قعدوا عن ذاك أنى لهم أنى
مراث بنعت الآل آل محمد
له الدهر يعطي حين ينشدها الاذنا
ويستوقف الافلاك شجو نشيده
ويستصرخ الاملاك والانس والجنا
فيبكي الحيا والرعد يندب والسما
تمور ووجه الأرض يملؤه حزنا
وينشق زيق الليل للذيل حسرة
ويقرع ثغر الصبح من أسف سنا
فحياه مولاه وبياه من فتى
عبير الثنا من لفظه قد تنشقنا
ولا زال معشوق السجايا محببا
كما نحن عشاق المحاسن لا زلنا
علينا أهلة هذي الشهور
غدت تحصد العمر في منجل
وداست بيادر أيامه
بنات لياليه بالأرجل
وقد نثرته مذاري الخطوب
كنثر الحبوب من السنبل
وقد طحنته رحى النائبات
دقيقا فما احتاج للمنخل
وقد عجنته بماء الصدود
أكف القطيعة في الموصل
وقد خبزته سليمي الهموم
بمسجور تنورها المصطلى
وقد قوِّرته رغيفا رغيف
فقلنا لأم الدواهي كلي
ومر الصبا كنسيم الصبا
ومنه الشمائل كالشمأل
وطار إلى ما ورا الخافقين
يرفرف في خافقي أجدل
وضاع الشباب فرحنا عليه
ندور من الشيب في مشعل
وقد خضبته أكف الغموم
خضابا إلى الحشر لم ينصل
وكان السواد قرابا له
فصار البياض شبا المنصل
بكينا على زمن مدبر
كما الطفل يبكي على المطفل
ولا بد من بعد هذا البكا
سنبكي على الزمن المقبل
تشابه ذا اليوم مع أمسه
فقسنا الأخير على الأول