أجدُ الحياةَ من الطبيعة تنبعُ
وإلى الطبيعة بعد حين ترجعُ
وكأنما هي دوحةٌ فينانةٌ
منها الغصون إلى الجهات تَفَرَّعُ
تبدو وتخفى في الطبيعة نفسُها
فكأنما منها لها مستودعُ
إنَّ الطبيعة في جميع شؤونها
كالله عن أعمالها لا تهجعُ
فهي المكان وكل ما هو يحتوي
وهي الزمان وكل ما هو يجمعُ
هي في حياتي جنتي و جهنمي
فيها نعيمٌ لي ونارٌ تلذعُ
ما في الطبيعة أرضها وسمائها
والله تطلبه العقول فترجع
ليست بحادثة ولكن صورةٌ
قدمت كمبدعها فجل المبدع
لا شيءَ عن حضن الطبيعة فاصلي
هي مبدئي وقرارتي والمرجع
أنا لست منها غير جزءٍ قد جثا
في نقطة من أرضه يتطلعُ
أنا طفلها المولود من أحشائها
ولدرها في كل حينٍ أرضعُ
الشمس تطلع في النهار جميلةً
فإذا توارت فالكواكب تطلعُ
من كان قد هدت الطبيعة ذوقه
فبشمسها ونجومها يتمتعُ
أما الذي هو للطبيعة جاهلٌ
فمن الطبيعة حسبهُ المستنقعُ
أهوى منيحتها وأقلي ردَّها
لهابتها فأنا العصيُّ الطيعُ
كم من صديقٍ في التراب دفنتُهُ
وسقت ثراه من عيوني الأدمعُ
فذكرته ولقد تليَّنَ مضجعي
وذكرته ولقد أقضَّ المضجعُ
لم يبق لي في الروضِ إلا زهرةٌ
وأخافُ أن تقضي عليها زعزعُ
ولتلك مؤنستي ولست بعالمٍ
أهي التي بي أم بها أنا أفجعُ
خيط الحياةِ وهى فما عندي سوى
أملٍ يوصِّلُه ويأسٍ يقطعُ
ولقد يُعابُ عليَّ في شيخوختي
أني إلى ليلى الحقيقة أنزعُ
أنا بعدما قد سرتُ في حبي لها
شوطاً بعيداً لست عنه أرجعُ
أبكي إذا مرَّت لترحمني فلا
ليلى ترق ولا دموعي تشفعُ
القلب يخفق فيَّ حين تمر بي
فتعيد ذاك الخفق مني الأضلع
وأرى أماي للهموم سحابةً
أما السحابةُ فهي لا تقشعُ
الضاحكون من البعيد كأنهم
حزبٌ على أن يشمتوا بي أجمعوا
وهناك مفتخرٌ بإيقاع الأذى
وكأن من يؤذي سواه سميذعُ
فإذا سكتُّ أذاب مهجتي الأسى
وإذا شكوتُ فليس لي من يسمعُ
وإذا تصدع منك جسمك للردى
يوماً فروحك مثله تتصدعُ
والروح ليس سوى الحياة تشاركت
زمراً خلايا الجسم فيها أجمعُ
هي في الجماد خفيةٌ لبساطةٍ
فيها فلا تبدو ولا تتفرَّعُ
وتفردَ الإنسان بين لداته
بدهائه فله المقامُ الأرفعُ