لقد سرت من بغداد يدفعني الوجد
لَقَد سرت من بغداد يدفعني الوَجدُ
إلى حيث وكر الشعر طائره سعدُ
إلى مصر أما مصر فهي كأَنَّها
كعاب ووادي النيل في جيدها عقد
إلى حيث يَلقى الحر للحق ذادة
كراماً فلا ضيم هناك ولا حقد
إلى بلد للعلم في أَرضه هدى
وَللشعر مثل النجم في جوه وقد
أجوب على سيارتي الأرض دونها
فيرفعني نهد ويخفضني وهد
يثبطني حب لبغداد لازب
وَيدفعني شوق إلى مصر مشتد
لَقَد ساءَني أني لبغداد بارح
وأني فيها لا أروح ولا أغدو
فقدت بلادي نازحاً غير أَنَّني
إذا جئت مصراً لم يضر ذلك الفقد
وَما دون مصر مطلبٌ لميمم
ففيها ينال المجد من همه المجد
وَلَم تَكُ بغداد سوى دار كربة
نهاريَ فيها مثل ليلي مسود
ورب عدو لَيسَ لي من وصاله
مناص وخل ليس من هجره بد
ولا مثل يوم ظل يبكي غمامه
ويضحك في طياته البرق والرعد
ذكرت به عهداً مضى فحمدته
فَما رد عهداً ماضياً ذلك الحمد
وَلَو كانَ عهدي باقياً لرعيته
وَلكن مضى عهدي فَلا يرجع العهد
ظمئت فَلَم تنقع أواميَ دجلة
وَللناس في بغداد من دجلة ورد
وَما دجلة عن قاصديها قصية
ولا ماؤها يوماً لشاربه ثمد
وكنت هزاراً كل يوم بروضة
على فنن أوراقه غضة أشدو
وَما كانَ يَدري الروض أن خريفه
قَريب وأن الورد آفته البرد
وَزار الهزار الروض إذ غض ورده
وَطارَ بعيداً بعد ما صوّح الورد
لَقَد حالَ ذاكَ الروض بعد نضارة
فَما بانه بان ولا رنده رند
وكنت أبالي أن تشط بيَ النوى
عَن القوم حتى حال منهم ليَ الود
هنالك أحباب تنكر ودهم
فَلا قربهم قرب ولا بعدهم بعد
ولا مثل صاد في الهجيرة بينه
وَبين بلوغ الماء من دجلة سد
يعالج في بغداد عيشاً منغصاً
وَينعم في بغداد أعداؤُه اللدُّ
حملت بصبر لم يخنِّي خطوبَها
وإني على حمل الخطوب أنا الجلد
هنالك قوم ما لَهم في حياتهم
إلى كل شيء يسعدون به جهد
كَسالى بيوم السَعي إلا أقلهم
وَقَد ورثت أخلاق آبائها الولد
وأما نساء القوم في كل بقعة
فهن لهن الضيم منهم أَو الوأد
يَقولون إِن الدين يجحد رشدَها
لَقَد كذبوا فالدين ليس به جحد
وَلَم ينف رشد المرأة الدين نفسه
ولكن غلاة الدين ليس لهم رشد
وأفرط أقوام وفرَّط غيرهم
وإن طريق المفلحين هو القصد
مشيت إِلى مصر أسارع قبلما
طَريقي إلى مصر الجميلة ينسد
سأُلقي عصا الترحال في مصر إنها
بلاد لها من نيلها يكثر الرفد
وأشدو بشعري هابطاً ظل دوحها
فتبسط ذاكَ الظل أفنانها الملد
وَيشملني أبناؤُها برعاية
أَرى أَنَّني قد لا أَرى مثلها بعد
وَللريح ألقاها بوجهي عذوبة
وَللماء أحسوه على كبدي برد
فَتَعلَم بَغداد على بعد أرضها
بأن ابنها في مصر منزله حمد