لي عند ذكرك يا صفا إطراق
لي عند ذكرك يا صفا إِطراقُ
وَدموع حزن في التراب تراقُ
وتلهف وتأسف تبديهما
بحرارة من صدري الأعماق
فيك اللَيالي أَخلفت ميثاقها
إن اللَيالي مالها ميثاق
روَّى ضريحك عارض مترجز
يرغو فيهمى ودقه الغيداق
كانَت بك الآداب راقيةً فَما
فيها مجازَفةٌ ولا إِغراق
للشعر في الآفاق حين تَقوله
نفَسٌ كَما هبَّ الصَّبا خفاق
قبلته أذواق الرواة وإنما
في الشعر قد تتفاوت الأذواق
وَمنحت بالأدب الفَضائِلَ زينةً
فكأَنَّه في جيدها أَطواق
يا مشترى الآداب لا تسعوا فقد
نفد المتاع وسدَّت الأسواق
ما كلُّ ميتٍ يا عيوني فاذرفي
من أَجله تتحلَّب الآماق
يا كوكباً من عرش رفعته هوى
من بعد ما ضاءَت به الآفاق
أين ارتفاعك في مقامات العلى
بل اين ذلك الضوء والإشراق
اخترت من جوف الثرى متبوأً
علّ الثرى لك منزل تشتاق
إن الحَياة نعم عليك ثَقيلة
والنفي بعد العز لَيسَ يطاق
لا تلجأنَّ إلى المنية يا صفا
فالموت فيه تشتت وفراق
ملكت قوافيك القلوب بحسنها
وكذلك الآداب والأخلاق
الشعر يبكي في مصابك آسفاً
والنفس والأقلام والأوراق
فقدت بك الاتراك أَكبر حجة
للفضل كانَ على اسمه إطباق
حزنت عليك أماثل وأفاضل
وبكاك صحب منهم ورفاق
تجري عَلَى وجناتهم عبراتهم
فكأنما بين الدموع سباق
يا بدرَ فضلً تم حيناً نوره
فأصابه عند التمام محاق
هل صح أنك راقدٌ في حفرةٍ
فيها عليك من الثرى أطباق
في نوعه الإنسان يشبه دوحةً
للريح بين غصونها إخفاق
والناس تسقط عند كل مهبةٍ
منها كما تتساقط الأوراق
لَم يُبقِ مني الدهرُ بعدك ياصفا
إِلّا عيوناً دمعها رقراق
دافعت مِثلي عَن حقيقة أُمَّة
ما إِن لها لدفاعك اِستحقاق
فأردت إنهاضاً به لجماعة
كسلى لها في جهلها استغراق
قَد عشت غير مطأطئٍ في دولة
خضعت لجائر حكمها الأعناق
حاربت جيش عدائها ببسالة
في موقف شخصت به الأحداق
متيقناً أن الحكومة كلها
أسرٌ يغلّ الناس واسترقاق
تنفي الرجال لغير ما ذنب جنت
وعلى الأرامل مالها إشفاق
عبثاً تحامي يا صفا عنهم فما
للقوم فاغضض مقلتيك خلاق
والسم إن أبدى صرامة فعله
يوماً فماذا ينفع الدرياق
ما خاضَت الأحرار غمر كَريهة
إِلّا وأَنت الأوّل السباق
فثبتّ حين تذبذبوا وَتنكبوا
وَرحبت لما بالنوائب ضاقوا
ما كنت إِلّا لِلعَدالة عاشقاً
وَالعَدل مَحبوب له عشاق
لعبت بلبك من سلافة حبه
كأس كَما شاء الغَرام دهاق
وقد اضطهدت فزدت ثمة شهرة
كالعود يُكثر عَرفه الإحراق
أبديت فيه من التجمّل ما به
يبني عليك من الفخار رواق
ما كنت عن نصر البريءُ بقاعدٍ
أيام عمَّ الظلم والإرهاق
وألم خطب منه تزهق أنفس
ويمور في الأرض الدمُ المهراق