مقال 2026/01/06 مشاهدة

المحدث الكبير الشيخ شرف الدين أبو توامة رائد العلوم الإسلامية في بنغلاديش

 

التمهيد

الحمـد لله رب العالمين، والعاقـبة للمتقين، والصــلاة والســلام على سـيد الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعــد!

قبل ثمانمائة سنة تقريبا، وبالتحديد في هذا المكان الذي اجتمعنا إليه اليوم من مختلف نواحي شبه القارة الهندية، كان يوجد فيه عالم متبحر، ومحدث ألمعي، وداعية عبقري، وفيلسوف متضلع، وعلم من أعلام علماء الحديث والفقه والتفسير والسيرة وعلم النباتات والرياضيات والجغرافيا والكيمياء.

غادر مسقط رأسه ومنبت شعره بخارا، قاطعا آلاف الكيلومترات لغرض نشر الدين الحنيف وتعميم الدعوة الإسلامية، قاصدا إلى دهلى عاصمة الهند أولا، ثم هاجر إلى هذا الجزء من أرض البنغال، والذي كان يسمي سنارغاؤن وكان عاصمة البنغال آنذاك، وقام بدور فعال في نشر الثقافة الإسلامية والعلوم الدينية في الناس.

أنشأ مدرسة بمثابة جامعة كبيرة يقصدها أكثر من عشرة آلاف طالب من كل فج عميق، كما أنشأ مكتبة كبيرة للمطالعة، وبنى زاوية للعبادة؛ ألا وهو الداعية الخبير والمحدث الكبير الشيخ العلامة شرف الدين أبوتوامة رحمه الله تعالى، المتوفي في حدود سنة (700هـ)، الذي هاجر إلى الديار الهندية لدعوة الناس إلى دين الله تعالى، وإرشاد المسلمين إلى الإسلام، وتعليمهم أحكام دينهم الحنيف.

كان الشيخ أبوتوامة محدثا وفقيها وأصوليا وداعية وخطيبا، أملأ حياته بالخدمات الإسلامية، والنشاطات الدعوية والتحقيقات العلمية. بقيت الجامعة شامخة لعقود من الزمن، كشجرة مثمرة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، تنجز وتفيد الناس بثمار العلم والمعرفة وفي مجالات التزكية والإصلاح، في حياته وحتى بعد وفاته.

ثم اندرست هذه المؤسسة العلمية والدعوية وانطمست آثارها، شيئا فشيئا، لعدم وجود من يعتني بها، حتى أصبح المكان كأن لم يغن بالأمس، لم يبق منها إلا ضريح الشيخ رحمه الله وبعض الأضرحة لتلاميذه وبعض البقايا والآثار التاريخية.

ولكن بعد مرور وقت كبير استيقظت هذه البقعة مرة أخري بيد إمام رباني ومفكر إسلامي عالمي الشيخ السيد أبي الحسن على الحسنى الندوي رحمه الله؛ حضر ليزور ضريحته حينما زار بنغلاديش لأول مرة سنة 1984م، فأمر أحد تلاميذه الأخ عبيد القادر الندوي بإنشاء مدرسة إسلامية باسم الشيخ، وهكذا أعيدت ذكريات جامعة سونارغاؤن مرة ثانية بعد سبعة قرون من الزمن بتأسيس مدرسة الشرف الإسلامية في نفس المنطقة.

نبذة عن حياة الشيخ الإمام أبي توامة

وها أنا ذا سوف أتكلم أمامكم أيها الحضور عن هذا المحدث الكبير الذي أوجد تدريس الصحيحين للإمام البخاري ومسلم أولا بأول في أرض بنغلاديش، فكأنه كان بخاري البنغال. وفيما يلى استعراض لبعض جوانب حياة الإمام شرف الدين أبي توامة بالاختصار:

مولده ونشأته وتعليمه:

إن التاريخ لم يعطنا معلومات وافرة، وتفاصيل واضحة عن مراحل حياة الإمام أبي توامة الأوَّلية؛ أين وُلد؟ ومتى ولد؟ وإلى أية قبيلة ينتسب؟ وماهي عائلته؟ ومن هم أسلافه؟ وأين درسَ؟ وعلى يد منْ؟ ومتى تجشَّم عناء السفر إلى الديار الهندية؟ ومنْ كانوا رفقاء سفره؟ وما إلى ذلك من البيانات الواضحات.

وعلى الرغم من أنه لا يوجد شيء موثوق معروف عن سنة ميلاده، لكن أغلب الكتابات عن حياة الشيخ تدل على أنه ولد في "بخارى" أوزبكستان الحالية في أوائل عام 1200م. تلقى تعليمه في خراسان. فمن ناحية الحديث والفقه، ومن ناحية أخرى، اكتسب خبرة خاصة في الكيمياء والعلوم الطبيعية، وعلم النباتات والجغرافيا والكيمياء. أكمل تعليمه الابتدائي في خراسان، وتعلم العلوم الدينية لدى مشائخ خراسان في ذلك الوقت، واشتهر في سن مبكرة جدًا بالتدين وطلب العلم.

إلى اليمن:

ثم راح إلى اليمن ليتضلع من العلوم الشرعية من التفسير والحديث والفقه وأصولها، ومن العلوم العربية كالنحو والصرف والبلاغة وغيرها لدي العلماء الأجلاء من المحدثين والمفسرين واللغويين والمهرة في كل فن، حتى أصبح من سكان اليمن، وهو مكان مشهور في ذلك الوقت لمستوى تعليمه العالي في الحديث. وهناك حصل على أعلى مستوى في أصول الحديث وعلومه وفنونه، ولذلك يقال له البخاري واليمني.

إلى دهلي عاصمة الهند:

وفي عهد السلطان غياث الدين بلبن (تاريخ الحكم: 664-686هـ الموافق 1266-1287م) تشرف الشيخ شرف الدين أبو توامة بقدومه من بخاري الي دهلي (عاصمة السلطنة آنذاك) واتخذ منها موطنًا لدعوته، فدعا الناس إلى الله تعالى بخُلُقه قبل لسانه، وبمعاملاته قبل كلماته، فالتفَّ الناس حوله، وجعلوا منه سلطانًا تفوق قوته الروحية قوة السلطان المادية بـدرجات كثيرة.

وبقي ههنا يعلم التعليم الإسلامي ويربي التربية الروحية الي مدة طويلة، ولم يكن له نظير في ذلك الوقت في الحديث والتفسير والفقه والعقائد والتصوف، وكان فائق الأقران ومترامي الجوانب، وكان في جانب خبيرا بالقانون الفقهي الحنفي وفي جانب آخر متبحرا في الحديث النبوي والتفسير، وكانت نظرته علي علم الكيميا والفلسفة الطبيعية عميقة جدا.

وكان متمركزًا بجوار مسجد صغير. لم يكن لديه مسكن، كان يعيش في كوخ. وكان يقضي سنوات في الاعتكاف وينشر الفوائد والعوائد الروحية بين المتعطشين للعلم. وكان يتحدث إلى الناس عن الدين والثقافة الإسلامية مرة واحدة في الأسبوع، وفي ذلك اليوم يحضر في درسه آلاف من الناس، كأن مدينة دلهي بأكملها ستندفق إلى حيه، من الملك، إلى الأمير إلى المتسول، إلى العالم إلى الطالب كأن كلهم من طلاب العلم، والجميع يجلسون في جلسة متساوية على كرسي التراب.

وفي غضون سنوات قليلة من إقامته في دلهي، أصبح من كبار علماء الدين في الهند. كانت شعبيته وروعة خطاباته المؤثرة قوية جدًا لدرجة أنه إذا أراد تمكن من الإطاحة بعرش دلهي بإعلان واحد، لكنه كان يكره السلطة تماماً.

ولما رأي السلطان قبوله وحفاوته في الشعب وسوسَ الشيطان إلى قلبه، مع طِيبه وعدالته، وهمس هامس في أذنيه بأن هذا الرجل قد يسيطر على سلطته المادية في أيام قلائل، ويتمثل خطرا وتهديدا لامبراطوريته وحكمه، وإنْ كان الشيخ في شغل شاغل عنه وعن سلطته بدعوة الناس وإرشادهم ونصحهم.

فترجَّى السلطان من الشيخ أن يتجه إلى العاصمة الإقليمية سُونَارغَاؤْن من بلاد البنغال، وأن المسلمين هناك أحوج إليه من سكان دهلي، فأشار عليه بل أمره بلباقة وحيلة براقة بأن يرتحل الي "سنارغاؤن"، ولم يخالفة الشيخ ولم يرفض اقتراحه، بل قبل فكرته بكل سذاجة ورأي الحسن في مغادرة دهلي. فقال لأصحابه وتلاميذه الذين كانوا يحضرون في دروسه بصراحة تامة: "أنا ذاهب من إرادة الله إلى إرادة الله". وودع السلطان والشعب بكلمة، ثم توجه نحو البنغال، فغادر دهلي ناويا سونارغاؤن.

من دهلي إلى سونارغاؤن

غادر الشيخ عاصمة دهلي جراء طلب خاص من قبل الملك غياث الدين بلبن بهدف إشاعة نور الإسلام وتعاليم الدين الحنيف، ومعه أسرته وبعض تلاميذه، متجها إلى سونارغاؤن عاصمة البنغال.

نزوله في منير بمقاطعة بيهار:

وفي طريقه إلي سنارغاؤن لما وصلت القافلة إلى "منير" بمقاطعة "بيهار" نزل بها وأقام أياما عديدة، وكان كضيف مكرم للشيخ يحيي المنيري. والشيخ شرف الدين (نجل الشيخ يحيي)، كانت له عواطف اسلامية وشعور حاد وكان له ذكاء نادر متوقر رغم قلة عمره البالغ خمسة عشر عامًا آنذاك، أعجب بتبحر الشيخ أبي توامة في العلوم المختلفة وتتلمذ عليه. وقد أعجب الشيخ أبو توامة بدعوته إلى العلم وحرصه على الفكر فأحضره معه.

سونارغاؤن:

سنارغاؤن قرية منسية فى نرائن غنج من مديرية داكا، عاصمة بنغلاديش، وكانت تسمى فى القديم "سبرنا غرام"، كانت هذه القرية قبل عهد المغول مقر سلاطين البنغال المسلمين وعاصمة الحكام، وكانت تعد من كبريات مدن البنغال إلى القرن الرابع عشر الميلادى. وكانت ميناء ا كبيرا، فى الطريق البحرى لـ "جاوا وسماترا" ومرسى كبيرا لأوربا، ومن هذا المكان كانت السفن الشرائية تتوارد ذهابا وإيابا من جزائر الهند ومصر والعراق. فتحها السلطان غياث الدين ايوز أحد خلفاء فاتح البنغال بختيار الخلجى مع البنغال الشرقية سنة 610هـ- 1214م، وضمها إلى سلطة البنغال الغربية.

لقد كانت "سنارغاؤن" بلغت إلى الذروة العليا من السمعة والشهرة، وكانت الثياب التى تصنع فى هذا البلد من "الململ" و"الخاصى" و"خاصة" و"المسلين" و"الشبنم" تعد من أحسن ثياب العالم لنفاستها وأناقتها، وكانت شهيرة فى الخط، وصياغة الذهب والمسكوكات والفنون اللطيفة الأخرى مع كونها شهيرة للعلاقات التجارية.

ولما جاء رحالة القرن الرابع عشر الأفريقى ابن بطوطة إلى الهند لازال يسيح فى أرض البنغال من سنة 1345م إلى 1346م، وجاء إلى آسام عن طريق شط غاؤن (شيتاغونغ) وقابل الشيخ الصوفى جلال الدين التبريزى فى منطقة "سلهت"، ثم قدم من هناك إلى سنارغاؤن راكبا على السفينة، ثم غادرها إلى جاوا وهو على باخرته.

قال الدكتور جى وايس (J. Wise):

"كانت سنارغاؤن تحمل شهرة كاملة فى القرن الرابع عشر الميلادى لكونها مسستقرا ومقرا للعلماء الكرام والأعلام الأجلاء، وأسلم الملك الشهير (راجه جيت) وسمى نفسه بجلال الدين، ودعا الشيخ زاهد بن الشيخ نورقطب عالم حفيد العلامة علاء الحق الباندوى من سنارغاؤن، ليعلمه العلوم الدينية فكان مأمورا بتعليم الملك المعارف الإسلامية والتعليمات الدينية كماكان مستشارا معتمدا للملك فى الأمور النظامية. وغابات سونارغاؤن وأطلالها وأنقاضها تدل على وجود كثير من اللحافات والوسادات للدرويشين فى تلك المنطقة، وتشهد كتبات مسجد ملا هزبرخان ومسجد ملامبارك أن بانيهما كانا يلقبان بـ (ملك الأمراء) و (الوزراء) وقدوة الفقهاء والمحدثين، وأسس مسجد ملا هزبر خان سنة 925هـ - 1519م، ومسجد ملامبارك سنة 929هـ - 1523م".

بدأ انحطاط سنارغاؤن سنة 1608م بأيدى العسكر المغولى، وأقام المغول فيها ثكنة عسكرية، وسموا المنطقة بـ "جهانكير نغر" انتماءا إلى سلطان الوقت الإمبراطور جهانكير، وأصبحت عاصمة جديدة لولاية البنغال.

وحينما انهزم حاكمها الأخير السلطان موسى خان سنة 1611م من إسلام خان والى البنغال من جانب الإمبراطور المغولى جهانكير، فقدت سونارغاؤن مكانتها العلمية والثقافية ومنـزلتها الأدبية وشخصيتها الجامعة، ثم تسلط عليها قوم "مغ" بعد المغول فأفنت بقايا حضارتها ورواسب ثقافتها أيضا.

وصول الشيخ شرف الدين أبي توامة إلى سونارغاؤن

وفي عهد السلطان غياث الدين بلبن (1266-1287م) وبإشارة منه وطلب خاص بل بأمر منه غادر الإمام الشيخ شرف الدين أبو توامة عاصمة دهلي، وبعد قطع المسافات الشاسعة وتحمل المشاق الكبيرة وصل إلى سونارغاؤن عاصمة البنغال حينذاك سنة 668هــ-1270م. فوضع قدمه على مناطق بنغلا الخضراء الخلابة (حاليا بنغلاديش) وعكف نفسه في تبليغ الدين بمدينة سونارغاون إلى آخر حياته.

أول مدرسة أسست للتعليم العربي في سونارغاؤن:

أن الأدوار التي لعبها الشيخ المحدث الإمام أبو توامة في مجال الدعوة الإسلامية ونشر التعاليم الإسلامية وتعميم العلوم ولفنون العربية لهي كثيرة وجليلة. ومن أهمها وأبرزها أنه لما وصل في "سونارغاؤن" ركز جل جهوده علي تبليغ الإسلام الي غير المسلمين، واهتم بنشر العقائد الإسلامية الساذجه وتعميم العلوم الإسلامية في الشعب.

وليتحقق هذا الغرض أقام مدرسة اسلامية في سنارغاؤن علي نطاق شامل، (والتي أصبحت بعد جامعة كبيرة) وكانت هذه المدرسة مترامية الجوانب؛ كانت في جانب مركز التعليم والتربية الإسلامية، وفي جانب آخر كانت مقر الدعوة الإسلامية والتبليغ، وفي جانب آخر كان لها حلقات واسعة لتدريس الحديث النبوي الشريف. فلذا كان يأتي اليها وفود الطلاب من كل فج عميق، وكان فيها مطبخ عمومي للطلاب والعلماء المقيمين هناك.

وقد استطاعت هذه المدرسة أن تنجب جيلا كبيرا من العلماء والدعاة الذين نشروا في أنحاء البلاد وعكفوا علي عمل الدعوة والتبليغ والتدريس، واستطاعت أن تغير مجري أفكار كثير من الناس في مجال التعليم والتربية والعقيدة، واستذكرها المورخون كأكبر مدرسة اسلامية علي أرض البنغال وقتئذ بل قيل انها لأول مدرسة كبيرة في شبه القارة الهندية حينذاك، ولم تكن مدرسة أكبر من هذه المدرسة قبلها. وقد ذكر الرحالة المسلم العالمي ابن بطوطة هذه المدرسة التاريخية في كتابه الشهير "رحلة ابن بطوطة"، حينما جاء إلى سونارغاؤن ليزور الشيخ شرف الدين أباتوامة.

مواد التعليم في هذه المدرسة

تعليم الصحيحين:

والشيخ شرف الدين أبوتوامة أول من قام بتعليم "الصحيحين" للامامين البخاري ومسلم في هذه المدرسة أول الأولين وبادي ذي بدء. كما بدأ بتدريس بعض كتب السنة النبوية المطهرة، ليروِّي عشطى العلوم النبوية من منهل الإسلام العذب الزلال، فكان يدرس ما عدا الصحيحين، مسند أبي يعلى ومشارق الأنوار وغيرها من كتب السنة بالأسانيد المتصلة إلى أئمتها، ثم انتشر تعليم الحديث والتفسير والفقه والعقائد في مختلف مناطق شبه القارة خطوة خطوة.

ووفقًا لموسوعة المؤسسة الإسلامية، داكا: إن المدرسة التي أسسها الشيخ أبوتومة لهي أول مدرسة لتدريس رسمي لعلم الحديث في شبه القارة الهندية، ومع ما ذكر من المواد الدراسية الدينية يتم تدريس كل موضوع يتعلق بالعلم والدين في هذه المدرسة، مثل علوم اللغة العربية، وعلم الاجتماع، والمنطق، والتاريخ، وعلم الفلك، والعلوم البحرية، وعلم النبات، والرياضيات، والجغرافيا، والكيمياء، والفيزياء، أو الفلسفة وما إلى ذلك مما يحتاج إليه المسلم في حياته من العلوم والفنون.

طريقة تدريس الشيخ:

وكان تدريس الشيخ شرف الدين أبو توامة مفتوحا للجميع، يوجد فيه إداريون وعلماء وسياحون وأجانب وعامة الناس. تتجمع حشد كبير في مجلسه العلمي.

عدد طلاب هذه المدرسة:

حسب رواية المؤرخين أن تلك المدرسة بل تلك الجامعة كانت أول مدرسة دينية في شبه القارة الهندية لتعليم الناس وتربيتهم على منهاج النبوة، ولدراسة كتب الأحاديث النبوية. وفي وقت طفيف بل وفي غضون أيام قليلة ذاع صيت المدرسة وطارتْ شهرتها إلى أقطار الهند وأنحائها المختلفة، وبدأ الطلاب يتهافتون إليها كتهافت الفراشة على النار ويأتون من كل فج عميق؛ من أماكن بعيدة مثل بخارى وقندهار وخراسان وسوريا واليمن وبيهار والجنوب ودهلي وسرهند للحصول على العلوم الدينية وعلوم الأحاديث النبوية.

وكان عدد الطلاب حينئذ لهذه المؤسسة العلمية عشرة آلاف فصاعدا، حيث أصبحت هذه المدرسة أكبر الجامعات الإسلامية في آسيا حينذاك. خدم الشيخ أبو توامة الإسلام والعلوم الإسلامية في مناطق البنغال خاصة بمدينة سونارغاؤن، وقضى 23 سنة متتالية من حياته.

وفاته

توفي الشيخ أبوتوامة وانتقل إلى جوار ربه الكريم سنة 700 من الهجرة، الموافقة سنة 1300 من الميلاد بعد حياة حافلة في حقول الدعوة، والتربية، والتعليم، وقد وُوري جثمانه في معقل دعوته ومنبت تربيته، سُونَارغَاون. رحم الله تعالى المحدث الكبير الإمام شرف الدين أبا توامة الحنفي، وجزاه عنا وعن الدعوة الإسلامية خيراً، وأدخله فسيح جِنانه.

مدير المدرسة بعد وفاته:

وبعد وفاة الشيخ شرف الدين أبو توامة، أصبح ختنه وتلميذه الحبيب الشيخ المحدث شرف الدين يحيى المنيري مديراً لهذه المدرسة، فأدي دورا هاما لامعا في العناية بها وإبقاء سيرها، لم لا، فقد كان تلميذاً حقيقياً للشيخ شرف الدين أبو توامة، ووارث علومه وأمين عهوده بعده.

الآثار الباقية لمدرسة سونارغاؤن

بعد وفاة الشيخ أبوتوامة كانت المدرسة باقية فترة طويلة تحت إشراف وإدارة الشيخ شرف الدين يحي المنيري، ولكن لما غادر إلى الهند مع أسرته ولم يرجع إلى سونارغاؤن، أصبحت المدرسة مهجورة بعد ذلك لعدم الإشراف والاهتمام، وغابت في التاريخ هذه المؤسسة التعليمية الشهيرة، وتحولت إلى مساكن للناس ولكن حتى الآن يوجد العديد من الآثار الباقية من الأنقاض والأطلال.

الأضرحة:

يوجد حاليًا ضريح الشيخ أبي توامة في سونارغاؤن قريبا من مبنى المدرسة التى أسسها، وقريبا منه أضرحة الأولياء العظام تحت سماء درغاباري المفتوحة. ويعتقد أن الأضرحة الخمسة المتبقية تعود لتلاميذه أو معلمي المدارس.

مبنى من طابقين:

يوجد هناك مبنى مكوَّن من طابقين شبه منهدم، يحمل الكثير من الذكريات، ولعله هو المبنى للمدرسة والزاوية، ولانعرف عن هذا المبنى كثيرا، فقد يدرك بنو الإنسان بعضه، ولا يدرك بعضه الآخر، ولعل ما يدركه أقل بكثير مما يريد أن يقوله...

المكتبة الغنية بالكتب:

وحاليا عندما يزور أحد قرية مغرابارا لمركز شرطة سونارغاؤن لمحافظة ناراين غنج يشاهد هناك عمارة شهيرة شبه مكسورة تعرضت لعدم عناية وكذلك العديد من جدران المبنى فيها ثقب مربعة، يعتقد الباحثون أنه كان الطلاب يضعون كتبهم فيها. والطابق الأرضي من المبنى لا زال يحمل آثار الرفوف التي كانت مملوءة في الماضي بـكتب العقيدة، وعلم الكلام، والتفسير، والحديث، والفقه، وعلم الفلك، والزراعة، والفيزياء وغيرها من العلوم التي كانت تدرَّس في مدرسته.

اندار كوتا:

ويشاهد الزوار أيضا سلما ذهب إلى نفق غير واسع من جهة شرقية للعمارة، يسميه المحليون "اندار كوتا" يعني النفق المظلم، هناك رواية أن الشيخ كان يتعبد هناك وحيدا.

مؤلفاته

لم يتخلف الشيخ أبوتوامة عن حركة التأليف والتصنيف، بل أتحف المكتبة الإسلامية بمؤلفات قيمة في مختلف المواضيع، ولو لم نعرف عن مؤلفاته كثيرا، ولكن ماعثرنا عليه من آثاره التأليفية يدل بوضاحة أن له يد طولى في هذا المجال أيضا. وإليكم بيان لبعض مؤلفاته:

  1. "منزل المقامات": يقال إن المحدث أبو توامة قد ألف هذا الكتاب في التصوف وسماه بهذا الاسم وفيه بيان لمسائل التصوف.

  2. "نامه حق": كتاب شعر باللغة الفارسية، وهو عبارة عن مجموعة من المحاضرات التي ألقاها الشيخ على الطلاب أثناء التدريس في سنارغاؤن. فيه 180 شعرا، وقد أطلق عليها البعض اسم "مثنوي بنام حق". طبع الكتاب عام 1885م من بومبي وفي عام 1913م من كانبور.

  3. المؤلفات المخطوطات: علم من المصادر أن كثيرا من المؤلفات التي كتبها الشيخ شرف الدين أبو توامة محفوظة وموجودة حاليا ككتب خطية في مبنى الأرشيف بالمتحف البريطاني.

حظه في التصوف

كما كان الإمام شرف الدين أبو توامة مشتغلا في خدمة الإسلام والعلوم الدينية في عاصمة سونارغاؤن، كذلك جنبا إلى جنب أسس فيها مقرا لتزكية نفوس العوام، وكان شيخا صوفيا من السلسلة السهراوردية من أهل السنة والجماعة، ألف كتابا عن التصوف وسماه "منزل المقامات".

تلاميذه

لاشك أن من تتلمذ عليه في ذلك الوقت خلق كثيرون، ولا نعرف عنهم إلا قليلا، ويعتقد أن الأضرحة الخمسة المتبقية تعود لتلاميذه أو معلمي المدارس. ويذكر نقش تم العثور عليه في سونارغاون موغرابارا أسماء بعض كبار المسؤولين الإداريين، الذين كانت أسماؤهم مسبوقة بكلمة "المحدث". ومن المفترض أن جميعهم كانوا من تلاميذ الشيخ أبي توامة إما مباشرة أو عن طريق التعليم. وهكذا التقى جموع غفيرة من المحدثين الإمام شرف الدين أبا توامة واستفادوا من منهل علمه الصافي ومعين معرفته الذي لاينضب.

الشيخ شرف الدين يحيي المنيري البهاري:

ومن أجل تلاميذه الشيخ شرف الدين يحي المنيري البهاري، وهو الذي رافقه في طريقه الي "سونارغاؤن" وانهمك في الدراسة والقراءة والمطالعة وتعلم العلوم الإسلامية انهماكا بالغا، حتي انه كان لا يجد فرصة قراءة الرسائل القادمة من البيت لأجل عكوفه علي الدراسة والمطالعة، ولما انتهي الدراسة عند الشيخ أبي توامة بدأ يقرأ الرسائل التي حفظها مدة طويلة فوجد فيها نبأ وفاة أبيه. وصحبه زمنا طويلا حوالي 22 سنة وامتلأ بنور التزكية والإصلاح.

كان الشيخ شرف الدين جوهرا لامعا ودرا فريدا، تخرج في أكبر المدارس الإسلامية وقتئذ، وقام مع أستاذه بعمل الدعوة والتبليغ ونشر العلوم والمعارف الإسلامية والعربية والتفسير والحديث والفقه، وكانت له يد طولي في فنون الحديث وعلومه تدل عليه مكتوباته ورسائله. واستخدم الشيخ قلمه ولسانه وجسده، وروحه في خدمة الإسلام والمسلمين.

زيارة الإمام الندوي بعد قرون

ومضت على مدرسة سونارغاؤن 700 سنة وأصبحت نسية منسية، ولكنها استيقظت فجأة في القرن العشرين عندما زار ضريح الشيخ شرف الدين أبي توامة في هذه المنطقة أديب عربي كبير وداعية عبقري جليل الشيخ الإمام العلامة السيد أبو الحسن علي الحسني الندوي رحمه الله تعالى سنة 1984 من الميلاد بمدينة سونارغاون بنغلاديش، وكتب تاريخ ذلك الشيخ الإمام المنسي في الكتاب.

وجد الإمام السيد أبو الحسن علي الندوي في قلبه ألما شديدا عندما شاهد مدرسة الإمام أبي توامة تحولت إلى أنقاض لم يبق لها شيء إلا جدر متساقطة ولبن عتيقة رمادية، فبكى طويلًا برؤية هذه الآثار، التي تذكِّر بالماضي المشرق، وتبكي على الحاضر المؤلم.

يقول السكان المحليون إن أروقة المبنى المزخرفة والغرف الفسيحة والسلالم المؤدية إلى الطابق الثاني تثبت أن المبنى كان في السابق مدرسة. الجدران واسعة وسميكة، الطوب صغير ورقيق - الطوب الجفري. توجد على الجدران المحيطة سقائف كبيرة ومتوسطة وصغيرة رباعية الزوايا من الطوب يرتفع ارتفاعها عن ثلاثة أقدام فوق الأرض حتى السقف تقريبًا. ويعتقد أن الكتب كانت محفوظة في هذه الأكواخ، وكانت هذه أغنى مكتبة في ذلك الوقت.

إذا دخلت من الباب، ستشاهد أكوامًا من القمامة وغرفًا بلا نوافذ. على الجانب الشرقي من المبنى، يؤدي درج ضيق إلى الغرفة الموجودة تحت الأرض. لا توجد طريقة لنزول شخصين على الدرج معًا. بعد النزول من ثمانية إلى عشرة سلالم، عليك أن تتجه يسارًا، لا يمكنك رؤية أي شيء في الظلام، المكان مظلم. هناك غرفة مساحتها عشرة أقدام مربعة، وارتفاعها ستة أقدام، تسمى أندار كوتا. وكان الشيخ أبو توامة يجلس في هذا الكوخ ويتأمل في الخلوة. بجوار هذا المبنى المتهدم الذي نجا كان هناك العديد من المباني الأخرى التي تم تدميرها بالفعل.

واختتم أبو الحسن علي الندوي زيارته لقبر الشيخ بدعاء طويل. لم يتمكن من احتواء نفسه، وحبس دموعه فبكى.

مدرسة الشرف الإسلامية:

لم يكتف الشيخ الإمام الندوي بزيارة هذه المدرسة فحسب، بل أراد أن يحييها مرة ثانية في نفس المكان، فأشار على تلميذه الأخ عبيد القادر الندوي بارك الله في حياته لتأسيس مدرسة تحمل اسم الشيخ الكبير، فأسس (مدرسة الشرف الإسلامية) على مقرُبة من قبر الإمام، وقد بلغ عدد طلابها الآن حوالي مائتي طالب، ويدرس فيها إلى الصف التاسع، ولعلَّ الله تعالى يمنَّ عليها، فتزدهر كسَابقتِها، والله على ما يشاء قدير.


المراجع والمصادر:

  1. الصوفي الهندي / مبارك كريم جواهر.

  2. طبقة الناصري / منهاج سراج.

  3. دراسات الحديث في بنجلاديش: النشأة والتطور / د. احسان سيد.

  4. رحلات ابن بطوطة / هـ.ر.جيب.

  5. النجاح في نشر الإسلام في البنغال: تحليل تاريخي / أكبر علي خان.

  6. ويكيبيديا.

  7. بنجلابيديا.

  8. مقالات منشورة في مختلف الصحف الوطنية.

  9. بزم صوفیه، سید صباح الدین عبد الرحمن ص400.

  10. مناقب الاصفیاء ص132/131.

  11. علم حدیث میں برصغیر هندووپاک کا حصه.

  12. تاریخ دعوت وعزیمت: 3/252.

 

التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!