الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجهم ودعا بدعوتهم وسلك مسلكهم إلى يوم الدين.
فمن دواعي سروري وابتهاجي وفرحي بأني علمت أن جامعة دار المعارف الإسلامية شيتاغونغ بنغلاديش على وشك إعادة إصدار مجلة "منار الشرق" التي كانت تصدر عن الجامعة، وكانت تحتوي على مقالات قيمة علمية وأدبية باللغة العربية. فأردت أن أساهم بكتابة مقالة ضئيلة تكون ضمن محتويات المجلة، فاخترت أن أكتب نبذة يسيرة عن حياة علم من أعلام الأمة الإسلامية، وعبقري من عباقرة العلوم الإسلامية، ونابغة من نوابغ العصر، ورائد اللغة العربية، وأحد من مشاهير العلماء والمشائخ والكتاب الإسلاميين والدعاة العظام بجمهورية بنغلاديش الشعبية.
الذي وقف حياته للدين والعلم وأقام نموذجا رائعا للصبر والتفاني في سبيل نشر التوحيد الخالص والدعوة الإسلامية، والذي لم يفكر طيلة حياته سوى إفادة الناس بالعلم والمعرفة ونشر الخير فيهم وخدمة الأمة الإسلامية، وإعداد الجيل المسلم الصالح النافع للمجتمع والبلد والعالم، والذي جمع بين القديم الصالح والجديد النافع؛ ألا وهو العلامة الشيخ محمد سلطان ذوق الندوي - رحمه الله - الرئيس المؤسس لجامعة دار المعارف الإسلامية شيتاغونغ بنغلاديش.
نشأته وحياته:
ولد الشيخ محمد سلطان ذوق الندوي سنة 1939م تقريبا، بقرية "جاغيره غونة" من مديرية "مهشكهالي" من منطقة "كو كسبازار" العاصمة السياحية لبلد بنغلاديش. وكان والده الصوفي أبو الخير رجلا صالحا وعابدا وزاهدا ومحبا للعلم والعلماء ومتقفيا آثار المشائخ في طلب نور العلم والمعرفة، وأمه كانت صالحة تقية نقية، فتربى وترعرع في حضن والديه الكريمين الصالحين.
تعلمه العلوم الإسلامية:
أخذ الدروس الابتدائية والمتوسطة في مدارس وطنه "المدرسة الإسلامية غورك غاتا" و "مدرسة أشرف العلوم يجهافوا"، ثم ارتحل إلى الجامعة الإسلامية بفتية شيتاغونغ للحصول على العلوم العالية وتكميل الدراسات العليا، بإيماء العارف الرباني الشيخ العلامة المفتي محمد عزيز الحق رحمه الله تعالى، ومكث يدرس في الجامعة سنين طوالا حتى أتمّ دورة الحديث وتخرج فيها سنة 1378هـ- 1959م.
علاقته بندوة العلماء:
اقترب من دار العلوم لندوة العلماء بلكناؤ، الهند، وأحب علمائها حبا جما، خاصة الإمام أبو الحسن على الندوي، والسيد محمد الرابع الحسني الندوي، والسيد محمد واضح رشيد الندوي والشيخ سعيد الرحمن الأعظمي رحمهم الله. وأعجب بالشيخ الندوي واستفاد من معين علومه ومعارفه وأفكاره، ومؤلفاته القيمة، فأحبوه حيث رأوا فيه علما غزيرا، وخلقا نبيلا، وهمة عالية، وتعاليا عن الدنيا وزهدا فيها، وتواضعا رفيعا، وإقبالا كبيرا على الفضائل، حتى نال الشهادة من تلك الدار.
وشرفته دار العلوم ندوة العلماء بلقب " الندوي " الفخري على وجه الإجلال والتقدير، نظرا إلى مواهبه العلمية والأدبية، وذلك في عام 1404 هـ، بأمر من سماحة العلامة الشيخ الإمام أبي الحسن علي الحسني الندوي - رحمه الله - وزار العلامة أبو الحسن علي الندوي (رحمه الله) بنغلاديش عام ١٩٨٤ بدعوة منه.
أساتذته:
واستفاد في هذه المراحل التعليمية لدى كثير من الأساتذة الشهيرة، أمثال: الشيخ فضل أحمد، والشيخ خليل الرحمن الراموي، والشيخ العلامة سعيد أحمد الغهيراوي، والشيخ العلامة أحمد المهروي، وشيخ العرب والعجم الشيخ محمد يونس، والمحدث الكبير الشيخ أمير حسين، المير وأستاذ الأساتذة المحدث المحقق العلامة إسحاق الغازي، والشيخ الفقيه العلامة محمد إبراهيم، والشيخ أحمد على البوالوي، والعلامة الأديب الكبير المفتي عزيز الحق وغيرهم من العلماء رحمهم الله.
التربية الروحية:
تلقى الشيخ التربية الروحية من المرشد الكبير العارف الحكيم الجليل الشيخ محمد هارون البابونغري رحمه الله (المتوفى 1406 هـ) مؤسس الجامعة الإسلامية عزيز العلوم بابونغر شيتاغونغ، ومنحه الشيخ بالإجازة والخلافة في السلوك والتزكية والاحسان، فكان من أحب خلفائه ومجازيه.
خدماته:
بدأ مسيرته المهنية التدريسية بالمدرسة الرشيدية في بشارت نغر، وعمل لفترة من الزمن مدرساً في الجامعة الإمدادية كيشورغنج، ثم عين مدرسا للجامعة الإسلامية فتية شيتاغونغ وقام بالتدريس إلى أربع سنوات. ثم غادر جامعة فتية، وأنشا مدرسة باسم "مدرسة قاسم العلوم أغراباد"، وتوقفت المدرسة بعد سنتين لوجه ما.
ثم عين مدرسا للحديث والفقه والأدب العربي بالجامعة الإسلامية عزيز العلوم بابونغر فتكصري شيتاغونغ سنة 1387هـ، وقام بالخدمات التدريسية والإفتاء والإمامة إلى أربع سنوات، ثم عاد بعد الاستقلال إلى جامعة فتية مرة أخرى، ثم غادر الجامعة عما قريب، وأسس "جامعة دار المعارف الإسلامية" بشيتاغونغ.
حصوله على الإجازات الحديثية من الكبار:
وكان له إلمام كبير وأهمية بالغة بالحديث وعلومه وفنونه، فدرس كتب الحديث في جامعة بابونغر، وفي الجامعة الإسلامية فتية، وكان شيخ الحديث بجامعة دار المعارف الإسلامية إلى آخر حياته.
لقد حصل على الإجازات الحديثية من كبار المحدثين في شبه القارة الهندية، أمثال: الشيخ فخر الحسن رئيس المدرسين بدار العلوم بديوبند، والشيخ عبد الودود السنديفي (الراوي عن شيخ الهند)، والشيخ محمد يوسف البنوري، والشيخ محمد زكريا الكاندهلوي، والعلامة القارئ محمد طيب، وحافظ الحديث الشيخ عبد الله الدرخواستي، والشيخ محمد منظور النعماني، والشيخ معراج الحق، والمفتي محمود الحسن الكنكوهي، والشيخ أبو الحسن علي الندوي، والشيخ عبد الفتاح أبو غدة، والشيخ عبيد الله الأمرتسري، والشيخ محمد عاشق إلهي البرني، وآخرون.
وكان مسندا للحديث والسنة في أرض بنغلاديش، كان يأخذ منه الإجازات بمروياته وإجازاته العلماء والطلاب والعرب والعجم من داخل البلد وخارجه. لقد قرأت عليه أوائل كتب الحديث الست وأجازني بجميع مروياته، مرة في دار العلوم ندوة العلماء، ومرة في بيته بجنب جامعة دار المعارف الإسلامية شيتاغونغ، وهذا نعمة من الله سبحانه وتعالى.
تلامذته:
تلمذ عليه آلاف الطلاب وفيهم من العلماء الأجلاء داخل البلد وخارجه، ومن العرب والعجم، فمنهم: الشيخ العلامة محمد جنيد البابونغري، والشيخ هلال الدين، والشيخ أبو طاهر المصباح، والشيخ الحافظ عبيد الله البانسكهالوي، والشيخ رشيد، والشيخ أبو طاهر المهشكهالوي، الدكتور محفوظ الرحمن ظهير، والدكتور محمد رشيد زاهد، والعلامة الحافظ محمد نور الحق الراموي، والدكتور جسيم الدين الندوي، والشيخ أبوالرضا نظام الدين، والشيخ أبو طاهر القاسمي الندوي، والدكتور شاكر عالم شوق، والشيخ عبيد الرحمن خان الندوي وغيرهم.
مآثره:
وكان أكبر ما قام به الشيخ من المآثر الإصلاحية في مجال التعليم والتربية؛ ولقد دعا أصحاب المدارس القومية دعوة حارة ملتهبة إلى سد حاجات العصر ومتطلباته، وإلى الإصلاح والتطوير في المناهج التعليمية والمناحي التربوية. وحاول محاولة جبارة لإصلاح المنهج التعليمي السائد آنذاك في المدارس القومية، فهو من المعدودين الذين استشعروا بضرورة الإصلاح والتجديد المناسب في المنهج التعليمي في بنغلاديش جمعا بين القديم الصالح والجديد النافع.
تأسيسه لجامعة دار المعارف:
لقد قام الشيخ بإنشاء "جامعة دار المعارف الإسلامية" في شيتاغونغ، على غرار دار العلوم لندوة العلماء، متبعا منهجها في التعليم والوسطية والاعتدال، ساعيا في نشر اللغة العربية وآدابها وعلومها في بنغلاديش، جمعا بين القديم الصالح والجديد النافع، ودعا إلى شعارها الوحيد "إلى الإسلام من جديد".
والجامعة في عمل دؤوب وسعي مستمر وحركة دائمة لتخريج دفعات ذات كفاءة علمية، وفكرة سامية، وتربية صالحة، أثبتها الله كشجرة مثمرة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. وله جهود مضنية للحصول على الاعتراف من قبل الحكومة بشهادات المدارس القومية في بنغلاديش، فعل لأجله الكثير والكثير، سهر لأجله الليالي، وقطع له المسافات النائية، حتى تكللت مساعيه بالنجاح.
انتخب عضوا لرابطة الأدب الإسلامي العالمية، وكان هو رئيس مكتب الرابطة البنغلاديشي إلى آخر حياته، وتشرف بالاشتراك في المؤتمرات والندوات العلمية والأدبية والدعوية داخل البلاد وخارجها.
شغفه بالأدب العربي:
كثر شغفه بالأدب العربي فكان يمارسه ممارسة لا مزيد عليها، فأتقن اللغة العربية فهما ونطقا وكتابة، وعكف نفسه على تعميم اللغة العربية وآدابها في البنغاليين الناطقين بالبنغالية وثابر على هذه الخدمة.
وبذل لذلك مجهودات جبارة ومساعي جليلة، أصدر مجلة عربية اسلامية من الجامعة الإسلامية فتية باسم "الصبح الجديد" كانت تصدر على رأس كل ثلاثة أشهر، ثم اغلقت، ثم أصدرها من "جامعة دار المعارف الاسلامية شيتاغونغ" باسم "منار الشرق".
شعره ونثره:
له نبوغ كامل في الشعر العربي كما له نبوغ تام في النثر العربي والعلوم الإسلامية والفنون العربية. كان يقول الشعر في اللغات الثلاث: العربية والفارسية والأردية، واعترف أهل الأردية له بالفضل والصلاحية والسليقة الشعرية فيها، واستحسنوا كلامه، وله ديوان شعر باسم " كليات ذوق " وهو على ثلاثة أجزاء: جزء في الأشعار العربية، وجزء في الأشعار الفارسية، وجزء في الأشعار الأردية.
مؤلفاته:
عكف على التدريس والتأليف والتصنيف، وترك آثارا علمية هامة، ومؤلفات كثيرة في العربية والأردية والبنغالية في النظم والنثر، من أهمها:
-
كليات ذوق (ديوان أشعاره في الفارسية والعربية والأردية).
-
الطريق إلى الإنشاء.
-
دعوة الإصلاح والتطوير في منهاج التعليم.
-
عشرون درسا.
-
نخبة الأحاديث.
-
رحلتي إلى أرض الجهاد.
-
شرح زاد الطالبين.
-
حياة الشيخ البوالوي.
-
تذكرة العزيز.
-
نقوش زندكي (بالأردية) كتاب يتكلم عن حياته بالتفصيل.
-
حياتي (بالبنغالية) كتاب يتكلم عن حياته بالتفصيل.
-
الإمام السيد أبوالحسن علي الندوي.
-
تسلية القلوب، (تذكرة شيخه ومرشده العلامة محمد هارون البابونغري رحمه الله).
-
قند خامه شرح بند نامه.
-
تذكرة حياة المقري الشيخ محمد طيب.
وغير ذلك من الكتب والمقالات. وللشيخ خدمات جمة غير ما ذكرناه سوف أذكرها إن شاء الله تعالى في فرصة أخرى، وهذا غيض من فيض.
وفاته:
وافته المنية ليلة الجمعة 3 مايو 2025م، وصلى عليه يوم السبت الساعة الرابعة عصرًا، وودعه الآلاف من مريديه وأتباعه من خلال موكب جنازة في جامعة دار المعارف، وتم دفنه في مقبرة الجامعة.
رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه بحبوحة جنانه، وأسكنه الفردوس الأعلى من جنات النعيم. هذا وصلى الله على نيبنا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرياته أجمعين.