بماضٍ مشرق، وحاضرٍ متوثّب، ومستقبلٍ يستقبل التاريخَ من قمّته ويسابق الزمن من روعته. حدّثني الثقةُ ابنُ الفصاحة، في مجلسٍ اجتمع فيه الماضي بالحاضر، وتصافحت فيه القيادة بالحكمة، وقال: يا صاحِ، إذا ذُكرت الدولُ العظمى التي تُبنى على العقيدة والنهضة والإنسانية، فاعلم أنّ السعودية هي قصبةُ السبق، لا تُجارى، ورايةُ المجد، لا تُدانى.
ملاحم التأسيس والتوحيد
هي الأرض التي نهض فيها الملك عبد العزيز آل سعود المؤسس من رمال الجزيرة، فلم يُقم مُلكًا فحسب، بل أقام حضارةً تُشبه الفجر في تجددِه، وتُشبه الجبال في ثباتها. ووحّد شتات الجزيرة توحيدًا صار مثالًا يُحتذى في السياسة، وفقهًا يُدرّس في الإدارة، وعزمًا لا يلين.
وكان في موكبه الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي، يؤسِّسان ثقافةً تقوم على صفاء العقيدة، ونقاء التوحيد، وإحياء الرسالة؛ فكان أحدهما يُقوِّم الروح، والآخر يقود الدولة، فالتقت الخيمةُ على عموديها. ثم تعاقب من بعده الملوكُ سعود وخالد وفيصل وفهد وعبد الله، كلٌّ منهم يُضيف إلى البناء لبنةً من الحكمة، ويغرس في تربة الدولة شجرةً من الهيبة، حتى غدت المملكةُ حرزًا للعرب، وسندًا للمسلمين، وقطبًا للاستقرار العالمي والكوني.
عصر الحزم ورؤية المستقبل
ومن ثم بُويع الملك سلمان، فوقف في ذروة التاريخ وقفةَ قائدٍ لا يتردد، وحاكمٍ لا يتهيب، يُمسك بيمينه سيفَ الحزم، وبشماله لواء العدل و الجزم، ويقود الأمة بثقة العالِم بخطاه.
وكان إلى جنبه وليّ العهد، سموالأمير محمد بن سلمان، رجلُ رؤيةٍ لا تعرف التلعثم، ومشروعٌ يمشي على قدمين، يفتح الأبواب، ويُعيد صياغة الممكن، ويهزُّ شجرة الواقع حتى تُثمر مستقبلًا جديدًا. جاء بــ رؤية 2030 لا بوصفها خطةً حكومية، بل تأسيسًا جديدًا للمملكة، يربط الماضي بأمجادِه، والحاضر بتقاناتِه، والمستقبل بآفاقه، حتى أصبحت السعودية قوةً عولمية التأثير، عالمية القرار، لا يُذكر الشرق الأوسط دون ذكرها، ولا تُبحث قضايا العالم الإسلامي إلا إليها تُشدّ الأنظار.
هو الذي جعل التنمية تعميـرًا لا تجميلًا، وجعل الإدارة قيادةً لا تسييرًا، وجعل السياسة حزمًا وجزمًا لا تردّدًا ولا اضطرابًا، وهو اليوم الرقمُ الأصعب في معادلة العرب والخليج والعالم أجمع.
منارة الإسلام وقيادة الفكر
وتحت راية المملكة تجد الحرمين الشريفين، قلبُ الإسلام، ومهوى القلوب، ورمزُ الطهر في عالمٍ تكاثرت فيه الضلالات. ويقوم على منابرهما أئمةٌ جُلّة، كالإمام ابن سبيل، والشيخ السديس، والشيخ صالح الحميد، يروون الأمة علمًا وسمتًا ووقارًا.
وكان في أفق العلم نورُ سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، مدرسةً في الفقه، ومنارةً في الورع، ومرجعًا في النوازل الكبرى ومن أرشد تلامذته سماحة المفتي الشيخ فوزان. وفي محافل العالم الإسلامي تتقدم رابطة العالم الإسلامي بقيادة أمينها العام الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى، تُعيد للعالم معنى الاعتدال والوسطية والتعايش، وتفتح أبواب الحوار، وتُعرّف بالإسلام كما نزل: رحمةً وعدلًا وسلامًا، فكانت الرابطة بجهوده جسرًا بين الحضارات، وصوتًا عالميًا نقيًا في زمن اختلطت فيه الأصوات.
وتفخر المملكة بسفرائها الذين يُمثّلون هيبة الدولة، وفيهم السفير الأستاذ نواف بن سعيد المالكي في باكستان، رجلُ حضورٍ وكياسةوحنكة وخُبرة، يجمع بين دماثة التعامل ورصانة الموقف.
الدور الريادي والمكانة الدولية
ولمّا قوي البناء، واشتد الساعد، أصبح من حقّ المملكة، بما تملك من ثقلٍ اقتصادي، وسياسي، وروحي، ودبلوماسي، أن تحجز مقعدًا دائمًا في مجلس الأمن الدولي؛ فالسعودية ليست دولةً عابرةً في دفتر العالم، بل ركنًا من أركان استقراره، وبابًا من أبواب حلوله.
وفي ميادين السياسة، تجد المملكة في فلسطين وسوريا والسودان ولبنان ومصر والخليج العربي سعيًا للتهدئة، وجمعًا للصف، وصوتًا يُنقذ ما استطاع، وينصح ما أمكن، ويُعيد للدول المنهكة حقها in الحياة.
وهكذا يا صاح، إذا أردت أن ترى دولةً بماضٍ مجيد، وحاضرٍ متوثّب، ومستقبلٍ يُعاد تشكيله وتأسيسه بيد قيادته الراشدة الواعية، فانظر إلى السعودية؛ فإنها اليوم ليست على خريطة العالم فحسب بل هي أم الخريطة ومنها تُصمّم الخرائط، فهي إحدى أقطاب القوة والقول على مستوى العالم والأمم المتحدة وهي القائدة لمنظمة التعاون الإسلامي والجامعة العربية والمجلس الخليجي.
بل أزيد وأقول: هي بعرّابها العبقري العِملاق محمد بن سلمان من الذين يرسمون الخرائط الدولية؛ لذلك نطالب لها مقعداً في مجلس الأمن للأمم المتحدة. وصلى الله تعالى وسلم على سيدناوحبيبنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.