الإمام عبد الرحمن الجامي، حياته وآثاره
الحمد لله ربِّ العالمين والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على نبيه الكريم، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد: فإن تاريخنا الإسلامي المجيد مملوء بالرجال الأبطال والعلماء الأعلام الذين خدموا الإسلام والمسلمين في كل عصر من الأعصار، ونشروا العلم والمعرفة في البلاد والأمصار، وكان من هولاء العلماء الأفذاذ والأدباء الأعلام الإمام العلامة نور الدين عبد الرحمن الجامي -رحمه الله تعالى- الذي أفنى عمره في الدرس والتدريس والتصنيف والتأليف، حتى طار برع في العلوم النقلية والعقلية، وطار صيته إلى المشرق والمغرب، وأصبح من العلماء المشهورين في الأقطار الإسلامية.
وقد أردت أن أكتب مقالةً وجيزةً هذا العالم النبيل والإمام الجليل، تكشف عن بعض الجوانب من حياته العظيمة وصفاته الجليلة وخصاله النبيلة، وأسأل الله تعالى أن يجعل هذه المقالة خالصةً لوجهه الكريم، ويجعلها نافعة لي ولإخواني القراء، ويوفقني وإياهم للتمسك بأخلاق العلماء العاملين، آمين يارب العالمين.
العصر الذي ولد فيه الإمام الجامي:
كانت إيران قبل ميلاد الإمام الجامي تنقسم إلى حصتين: إيران الشرقية، وكانت تحت سيطرة السلاطين التيموريين، وإيران الغربية وكانت تحت حكم قبيلتين عظيمتين تعاقبتا على حكمها، والسلطان تيمور قصد اكتساح خراسان سنة 782هـ، وأنتجت إرادتُه قتلَ ألف عدد من سكانها، وبقي حاكما عليها إلى موته، بعد موته خلف ابنه "شاه رخ"، واتخذ "هرات" عاصمة مملكته، واستقر بها، فأراد الاستيلاء على عدة بلدان، وسيطر على خراسان وعلى كرمان وما وراء النهر وغيرها من البلاد، فحكمها إلى مدة حتى توفي، بعد وفاته اضطربت سلطنة التيمورين وبدأت تضعف يوما فيوما إلى أن تولَّى الحكمَ السلطانُ "الحسين بايقرا" وهو آخر الملوك التيموريين، بعد أن تولى السلطان حسين الحكمَ عاد الأمن والرخاء وعمَّ الخير وشاعت العلوم والفنون في مدة سلطنته التي استمرَّت إلى خمسة وثلاثين عاما.
وكانت مدينة هرات في ذلك العصر مهد العلم والحكمة وموئل العلماء والأدباء والحكماء، وكانت كأنها عين تنفجر منها العلوم وتنبع منها الحكمة والفضل، وفي ذلك العصر الذهبي وُلد هذا العالم الجليل، والفقيه والكبير، والصوفي المربي العظيم، الإمام العلامة عبد الرحمن الجامي الذي كانت له المهارة التامَّة في العلوم النقلية والعقلية، مثل التفسير والحديث والفقيه والتصوف والنحو والصرف والبلاغة والمنطق والحكمة.
اسمه ونسبه:
هو عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الجامي، الملقب بنور الدين والمكنى بأبي البركات، ولد في منطقة "خرجرد" الواقعة في مدينة جام سنة 817هـ.
أيام دراسته:
أوّل من سقاه كأسَ العلوم والمعارف هو جدّه شمس الدين التاشكي -رحمه الله تعالى- وكان من أشهر العلماء في زمنه في هرات، وقد تأصلت هذه العلوم في قلبه، ثم ترعرع في مهد أبيه وتعلم منه اللغة العربية والأخلاق والأدب، ولما اشتد شوقه إلى العلوم الشرعية ذهب به والدُه من جام إلى هرات، وألحقه بالمدرسة عند الشيخ جنيد الأصولي، وقرأ عليه الجامي شرح المفتاح والمطول، واستفاد أيضا من حلقة الشيخ شهاب الدين -رحمه الله تعالى-، وبدأ يترقى يوما فيوما في المجالات العلمية والأدبية والتربوية، ثم سافر لطلب العلم من جام إلى سمرقند، وتفقه عند شيوخ سمرقند، وكان من شيوخه في سمرقند: الشيخ خواجه علي السمرقندي تلميذ العلامة التفتازاني –رحمه الله تعالى-، والشيخ القاضي موسى الرومي، وبقي عندهم زمنا طويلا إلى أن وهبه الله تعالى علما نافعا وأدر عليه شآبيب النعم بالبراهين القاطعة والدلائل الساطعة، وامتلأ قلبه بالمواعظ الحسنة والحكم الأنيقة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم.
أسفاره العلمية:
سافر الجامي -رحمه الله تعالى- لطلب العلم إلى كثير من البلاد، فدخل حلب ودمشق ومكة والمدينة وسمرقند وغيرها من البلاد الإسلامية الكثيرة التي لا يعرفها إلا الله.
مكانته العلمية:
قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». فأراد الله تعالى الخير بالإمام الجامي فوهبه علما وافيا، وكان الشيخ من أشهر العلماء علما، ومن أدقهم أدبا، وأكثرهم ورعا، وكان له مهارة تامة في علوم التفسير والحديث والفقه، ونظر دقيق في الأدب العربي والفارسي، وكان أهل ا لمشارق والمغارب يعترفون بشرفه ومرتبته في العلوم الشرعية والعقلية، وكان يحرص على طلب العلم ولم يتوقف من طلبه إلى أن تمهر تمهرا حقيقيا في كثير من العلوم العالية؛ لأن الجامي اشتغل بالعلوم أكمل اشتغال حتى برع في جميع من المعارف وأنواع العلوم، وصارت العلوم له فكرة واسعة وقولاً محكماً يميز به بين الحق والباطل في المجالات العلمية، ولتبحُّره في العلوم نراه في بعض كتبه يردّ ردا محكما على بعض الكتب الفلسفية كالشفاء والقانون، وبما إنه قد درس العلوم الرائجة في عصره كلها، أتقنها وترسخ في العلوم العقلية والنقلية وحصلت له مهارة فائقة ومنزلة عالية بين أقرانه، وكان السلطان حسين بايقرا (الذي كان من كبار الأدباء والشعراء) يقدِّر الجامي -رحمه الله تعالى- حق قدره، وينزله منزلة سامية، ويقبل شفاعته للوزراء والأمراء وأهل العلم في أمور الدولة.
كتبه ومؤلفاته:
إن الإمام الجامي -رحمه الله تعالى- أفنى حياته في خدمة الإسلام والمسلمين بكلِّ ما في وسعه: بالنفس وبالمال وبالكتب، وبذل قصارى جهوده في خدمة الإسلام ونشر العلوم الإسلامية، وفي تنفية التراث الإسلامي المجيد من الانحرافات والبدعات التي لحقته بمرور الزمن، وكتب كتبا ومؤلفات نافعة تقدِّم إلى سنداة العلم والمعرفة علوماً صافية ومعرفة نقية وأدباً عالياً، فترك الشيخ وراءه أكثر من 54 كتاباً، منها كتاب في تفسير القرآن، وكتاب في شرح الأحاديث وكذلك شواهد النبوة، وشرح فصوص الحكم، ورسالة في الطريقة النقشبندية، ورسالة في وحدة الوجود، والدرة الفاخرة في تحقيق مذهب الصوفية، ورسالة في شرح "لا إله إلا الله"، ومناسك الحج، وشرح مفتاح العين، وشرح الجامي، ورسالة في المنطق، و"يوسف ذليخى"، و"ليلى مجنون" وغيرها من الكتب النافعة المفيدة في ميدان العلم والأدب.
كتابه "الفوائد الضيائية":
كان للإمام الجامي أربعة أبناء، فمات منهم ثلاثةٌ في حياته، وبقي ابنٌ واحدٌ اسمه "ضياء الدين يوسف"، وكان يحبه حبا جما، ولما بدأ ابنه يدرس العلوم الإسلامية، بدأ أولا بتعلم اللغة العربية والقواعد النحوية ولما شرع درس كتاب "كافية ذي الأرب في معرفة كلام العرب" للإمام ابن الحاجب، فكان ابن الشيخ يواجه بعض المشكلات في فهم مقاصدها، فخطر بباله أن يشرح له وللمبتدئين هذا الكتاب العظيم في فنِّ النحو، فوفقه الله تعالى لشرحه إلى أن أتمَّه قبل موته بسنتينن، وسمّاه "الفوائد الضيائية" نسبة إلى ابنه ضياء الدين؛ لأنه هو كالعلة الغائية في ظهور هذا الكتاب.
ميزات هذا الكتاب:
ولهذا الكتاب العظيم أهمية كبيرة وميزات جليلة، تمتاز بها عن الشروح الأخرى، ولقد تسابق العلماء بعد صدور "الكافية" إلى أن يكتبوا شروحاً مفيدة لهذا الكتاب، ولكن أنفع هذه الكتب وأبلغها في الأسلوب وأحسنها في النسق والترتيب هو "الفوائد الضيائية" للشيخ عبد الرحمن الجامي –رحمه الله تعالى-؛ ولأجل أهمية هذا الكتاب وحسن ترتيبه وكثرة فائدته مدحه بعضُ الشعراء حيث قال:
لكــافــية الإعـراب شرح منـقح
ذلــول المعــاني ذو انتسـاب إلـى الجام
معانيـــه تجلى حين تتــلى كأنـــما
هي الخمر تـبدو شمسـها من صفا الجام
وميزاته فيما يلي:
1- حرص الجامي غاية الحرص في تدوين الفوائد الضيائية على أن يراعى ترتيب الكافية في شرحه نسقاً وتنظيماً؛ ليكون فهم الطلاب يسرا دون عسر، مثلا: ذكر ابن الحاجب -رحمه الله تعالى- بحث التنوين في آخر الكتاب، وذكره الشارح -رحمه الله تعالى- أيضا في آخره، بخلاف الرضي -رحمه الله-، فإنه ذكره في ضمن خواص الاسم.
2- إن ابن الحاجب -رحمه الله تعالى- اختصر تعريف الكلمة بـ"لفظ وضع لمعنى مفرد" ولكن الشارح -رحمه الله تعالى- فسرها بقوله: كل ما يتلفظ بها الإنسان حقيقة أو حكما.
3- منذ ما ألف الشيخ ابن الحاجب -رحمه الله تعالى- الكافية تتابعت عليه شروح العلماء وهي تبلغ إلى أكثر من مائة شرح، ولكن من أهمها شرح الجامي –رحمه الله تعالى-، وهو يغني الطلبة عن مطالعة المطولات؛ لأنه شرح هذا الكتاب بكلمات سهلة، وبأسلوب أنيق، وبتعبيرات رائعة، تُفهم بكل يسر وسهولة.
4- بالغ الجامي –رحمه الله تعالى- في بيان القيودات الاحترازية، وفي دفع الإيرادات التي ترد على المتن، وشرح عبارة المتن بذكر الوجوه المحتملة، وربما وضح كلمة كلمة؛ ولأجل أهمية هذا الكتاب وميزاته تسابق الشعراء في مدح هذا الكتاب، فقال شاعر (وهو الإمام عبد الله الدنوشري المصري):
لله شـرح به شـرح الصـدور لــنا
كـأنـــه دُرٌّ أو أزهــــار أكـمـام
قد أسكر السـمع إذا تتلى عجائبه
والسكر لا غرو معروف من الجام
وفاته:
توفي –رحمه الله- يوم الجمعة بتاريخ 18 من المحرم سنة 889هـ في هرات، وقد حضر جنازته جمٌّ غفير من الناس والوزراء والقضاة والأمراء، كما حضرها السلطان (حسين بايقرا) وقد أتى إلى جنازته دامع العيون محترق القلب، ودفن -رحمه الله تعالى- بجوار مرقد شيخه سعد الدين الكاشغري، رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيراً، آمين يا رب العالمين.
أ. سميع الله بن مير أفضل خان
الجامعة الفاروقية، كراتشي، باكستان