مقال 2025/01/05 مشاهدة

آه... لبّى دعوة ربه من عاش لربّه، الشيخ قمر الدين الغوركهبوري رحمه الله

من الساعات واللحظات ما لا يدع أحيانا الجوّ بما اتسع والأرض بما رحبت إلا أن يملأهما كربا و ألما، ومن الدقائق والثواني ما لا يذر أطوارا القلوب و الحناجر إلا أن يفعمها همّا و حزنا. ومن مثل هذه الأمور المبكية ما شهدتُه اليوم حين بلغني عبر الواتساب نعي *الأستاذ الجليل، المحدث النحرير، سماحة الشيخ العلامة قمر الدين الغوركهبوري* -نضر الله ضريحه-. آمين 
ولا غرو؛ فالمرء ربما لا يتمكن من أن يفصح عما يموج بباله من العواطف بطلاقة و فصاحة، كما أنه لا يكون في مقدوره أن يكشف عما يتلجلج في خلده من القرائح و العواصف بسهولة و بساطة مع بذل أقصى جهوده الكاملة و مساعيه الكثيفة. فخذوا ما سآتيكموه من وحي الخاطر الكئيب و الذكريات المضيئة السالفة علّني لن أنساها أبدا ما دمت حيا. 
كان الشيخ -جعل الله الخلد مثواه- ممن يرزقهم الله في الحياة الدنيا رزقين: رزق الدنيا والآخرة،
فكان حسن الشارة، جميل القامة، سليم المنطق، ثبت الجنان. أما رزق الآخرة فكان عالما متقنا ربانيا له علم ديني صحيح موافق للأصول الدينية والقوانين الشرعية التي لها وزن حقا عند مالك يوم الدين، فرزق الآخرة هذا ما يحاوله الصلحاء و يتطلبون أن يكسبوه لهم و يستبشرون به. فالشيخ ولا شك ممن يتقبل الله منهم، و يؤتيهم من لدنه علما موهوبا و فهما مستقيما ثاقبا. 
ظلّ الشيخ يزين فصل الدراسة بالعلوم الدينية بالجامعة الإسلامية دار العلوم/ديوبند زهاء ستين عاما حتى أتاه اليقين، كما لم يزل يروئ حيارٰى ميادين العلوم السَنية و عدد غير قليل من طلاب الجامعة العربية بدرر الشريعة الإسلامية مع اتباع السنة النبوية.
كان الشيخ رحمه الله قد تشرف بأن تتلمذ على أيدي نخبة من كبار الأساتذة في مقدمتهم: شيخ الإسلام حسين أحمد المدني، والعالم الكبير العلامة إبراهيم البلياوي، والمحدث العظيم سماحة الفضيلة الشيخ فخر الدين المراد آبادي و ما عداهم من العلماء المبجلين و العلماء المرموقين الراسخين في العلم الذين لهم قلوب خاشعة لحضرة الجلالة، راكعة لهيبته وعزته، ساجدة لجبروته و عظمته؛ فكان من الطبيعي أن يقطف و يستفيد شيخنا هذا من ثمارهم الحلوة شيئا و أن يجني و يستلذ بفواكهم قدرا مما جعل الشيخ حقا سيدا مطاعا و عبدا مطيعا لله جل و عز، متمسكا بسنة حبيبه - صلوات الله و سلامه عليه-، عاضّا على سنة الخلفاء الراشدين المهديين بالنواجذ، قائما على الحق لا يخاف في الله لومة لائم، تراه مبتسما رحيما طورا لا ينتقم أحدا لنفسه، و شديدا غضِبا طورا آخر على من يراه مقترفا منكَرا أو ما يضادّ الشريعة المصطفوية فقد كان يغيّره في الفور بلسانه بأسلوبه الفذّ، و ينصح له و يعظه بالحكمة و الموعظة الحسنة التي تفتأ تبقى عالقةً بالصدر، منشئة للحب في القلب مكان أن يتسلل البغض و العنجهية و الضغينة، و هذا و لا ريب من سبب قوة إخلاصه عمله لله تبارك و تعالى.
رأيت الشيخ العلام هذه الأيام مرتين في المنام: (١) "نظر إليّ، و تبسّم ضاحكا، و لم يقل شيئا". (٢) كان متفضلا بالجلوس على المنصة التي يعقد أمامها طلابنا في قسم اللغة العربية و آدابها *بجامعة الشيخ حسين أحمد المدني/ديوبند* حفلتهم النهائية للنادي الأدبي العربي و معه على المنصة فضيلة الشيخ المفتي ساجد الموقر حفظه اللّٰه أستاذ قسمي الأدب و التفسير بالجامعة الإسلامية دار العلوم/ديوبند، فطلب الشيخ العلام الماء لشربه، فنهض أحد الطلاب لاستحضاره"، انتهت الرؤييان. 
و قد رأيته كثيرا من الأحيان يصلي في المسجد القديم بدار العلوم/ديوبند، و كان من عادة بعض الطلاب أنهم يقومون إثر الصلاة في الفور يخرجون سريعا من المسجد فكان الشيخ العلام ينّبههم على ذلك بصوته الجهير قائلا: أيا.... أي....مغفل!... اقعد... وادع (اللهَ تبارك و تعالى، ثم لك)!؛ فالمرء الذي يهتم بما يستحب من الأمور و يسن من الأعمال اهتماما قدر ما ذكرناه فكيف يمكنه ترك ما يجب و يفترض من العبادات و الطاعات. 
لست أريد من هذه السطور الإحاطة على قاطبة أحواله و الضوء على جميع أنحاء حياته، بل ذكرياتي حوله تملي علي فأكتب. 
تشرفت بالقراءة عليه أربعة كتب، كتابين في الحديث الشريف: الصحيح لمسلم، و سنن النسائي. و كتابين في التفسير: تفسير البيضاوي، و تفسير ابن كثير، فما أحسن تدريسه و ما أجمع كلامه، و ما أروع أسلوبه و ما أجمل لهجته! 
نظر إليّ يوما خلال الدرس و رآى شعر رأسي طويلة كثيفة تمس ذؤابتاي جبهتي ملقاتين شيئا عن اليمين و يسيرا عن اليسير، لم أقطعه منذ حين من غفلة و كسل؛ فنبّهني على ذلك بلطف و موعظة حسنة فجئت اليوم التالي و كنت قد حلقت رأسي. رحمه الله رحمة واسعة و جزاه الله عني و عن جميع الأمة المسلمة خيرا و أحسن الجزاء. آمين

التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!